التقارب الأمريكي والروسي ستدفع تركيا إلى خسارة أهم ورقة لها في سوريا

ظهر توافق روسي أمريكي في الآونة الأخيرة وتقاربت الوجهات السياسية حول ايجاد حل سياسي في سوريا وخاصة بعد إعلان الطرفين يوم الثلاثاء بعد اجتماع وزير الخارجية الأمريكي بومبيو مع كلاً من الرئيس الروسي بوتين ووزير الخارجية الروسي لافروف على ايجاد حلول عاجلة في سوريا بعيدا عن العسكرة.

وبحسب محللين سياسيين يبدو أن توافق موسكو وواشنطن يضعف قدرة أنقرة في فرض شروطها ويسحب البساط من تحت أقدامها بعد لعبها على حبال الخلافات بين الجانبين.

وأن تركيا تتجه إلى خسارة أهم ورقة لها في سوريا وهي محافظة إدلب على ضوء التقدم الذي تسجله القوات الحكومية المدعومة من روسيا. ويرى مراقبون أن أنقرة عاجزة عن إيقاف هذه العملية ولكنها قد تحاول استغلالها لتلافي الهزيمة الكاملة وجني بعض المكاسب، ولكن حتى هذا الهدف غير مضمون تحققه خاصة إذا ما ترجمت رغبة موسكو وواشنطن في تعزيز التعاون بينهما على الأرض السورية.

كثفت تركيا من اتصالاتها في الساعات الماضية بالجانب الروسي، في ما بدا محاولة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في إدلب ومحيطها، في ظل تقدم وصف بالمهم للقوات الحكومية المدعومة بغطاء جوي روسي لاختراق دفاعات الجماعات الجهادية التي تقودها جبهة فتح الشام في الجزء الجنوبي من المحافظة.

وأحرز الجيش السوري تقدما لافتا في ريف حماة الشمالي حيث سيطر على قرى وبلدات عدة أبرزها كفرنبودة، وبات على أعتاب الحدود الإدارية لإدلب من الجهة الجنوبية، وبعيدا بضعة كيلومترات فقط عن نقاط المراقبة التركية.

وبالتوازي مع محاولة اختراق الجبهة الجنوبية لإدلب من ريف حماة الشمالي عمد الجيش في اليومين الماضيين إلى فتح جبهة جديدة، في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي.

وكانت القوات الحكومية قد تمكنت من الدخول إلى الحدود الإدارية الشرقية لمحافظة إدلب مطلع عام 2018 بسيطرتها على مدينة أبوالظهور ومطارها، وبلدة سنجار، وقرى أبودالي والحجار ورسم العبد ورملة وأم رجيم.

ويقول خبراء عسكريون إن القوات الحكومية تطبق تقريبا الأسلوب ذاته الذي اعتمدته في الغوطة الشرقية وقبلها في مدينة حلب والقائم على “سياسة القضم التدريجي”، لافتين إلى أن الأنباء التي تتحدث عن أن العملية هي مجرد رسالة ضغط روسية موجهة لتركيا تنطوي على قصور، فكل المؤشرات تشي بأن الهدف هو استعادة محافظة إدلب وجوارها من التنظيمات المعارضة والجهادية.

دمشق وداعمتها موسكو لم تعلنا حتى اللحظة عن عملية في إدلب في محاولة لإضفاء نوع من الغموض لإرباك الأطراف المقابلة

ولم تعلن دمشق وداعمتها موسكو حتى اللحظة عن عملية عسكرية في إدلب في ما بدا محاولة لإضفاء نوع من الغموض على أهداف هذا التحرك لإرباك الأطراف المقابلة المتمثلة في الفصائل وراعيتها تركيا.

وكانت أنباء تحدثت عن تطمينات روسية لأنقرة بشأن محدودية العملية، إلا أن فتح النظام لأكثر من جبهة معتمدا على القصف الجوي المكثف بالتوازي مع التقدم الميداني المتدرج يوحي بأن الأمور تتجاوز تلك الأنباء.

ويرى محللون أن هذا على ما يبدو ما دفع الرئيس رجب طيب أردوغان إلى مهاتفة نظيره الروسي فلاديمير بوتين ليل الاثنين وكذلك وزير الدفاع التركي خلوصي أكار لنظيره الروسي سيرجي شويغو.

وأفادت الرئاسة التركية بأن أردوغان اتهم في الاتصال الهاتفي ببوتين النظام السوري بالسعي من خلال هجومه على إدلب إلى “تقويض” التعاون التركي الروسي في سوريا.

وقال مدير الإعلام في الرئاسة فخرالدين ألتون إن أردوغان أكد لبوتين خلال المكالمة مساء الإثنين أن النظام السوري “يسعى لتقويض التعاون بين تركيا وروسيا في إدلب والنيل من روح اتفاق أستانة”.

وحرص أردوغان على تحميل دمشق حصرا مسؤولية الهجوم على إدلب والذي من الثابت أنه يأتي بدعم وغطاء روسيَّين فيما بدا مسعى لتحييد موسكو، وترك المجال لعقد اتفاقيات معها.

وبدأ الجيش السوري نهاية الشهر الماضي هجوما مكثفا، رغم أن المنطقة مشمولة باتفاق روسي-تركي تم التوصل إليه في سبتمبر الماضي في سوتشي ونص على إقامة منطقة “منزوعة السلاح” تفصل بين مناطق سيطرة الحكومة والفصائل، إلا أنه لم ينفذ بعد.

ويقول مراقبون إن تركيا تتحمل الجانب الأكبر من المسؤولية جراء مماطلتها ومحاولتها كسب الوقت باستخدام ذلك الاتفاق دون أن تكون لديها أي نية للسير فيه عمليا، ويشير هؤلاء إلى خطوة أنقرة في ديسمبر حينما عمدت إلى إعطاء الضوء الأخضر لهيئة تحرير الشام التي تقودها جبهة فتح الشام للسيطرة على معظم أجزاء إدلب، وهو ما يتناقض كليا مع نص الاتفاق الذي يتضمن انسحاب الهيئة إلى الحدود التركية.

ووفق بيان الرئاسة التركية قال أردوغان لبوتين خلال المكالمة إن “مهاجمة مدنيين ومدارس ومستشفيات لا يمكن اعتبارها تمت إلى مكافحة الإرهاب بصلة”. واعتبر أن التصعيد العسكري الحالي من شأنه أن “يضر بالأهداف التي تسعى إليها” أنقرة وموسكو في سياق اتفاق سوتشي الذي جنب المنطقة في حينه هجوما بدا وشيكا للنظام على إدلب ومحيطها.

وتسيطر هيئة تحرير الشام مع فصائل أخرى على محافظة إدلب وأرياف حلب الغربي وحماة الشمالي واللاذقية الشمالي الشرقي. ونجحت الهيئة في طرد الهيئة الوطنية لتحرير سوريا التي تضم فصائل إسلامية (توصف بالمعتدلة)، بيد أن القوتين اتحدتا مجددا لوقف تقدم النظام.

ويرى مراقبون أن تركيا رغم التصريحات والتحركات التي تقوم بها إلا أنها ليست في موقع يخول لها إجبار دمشق ومن خلفها موسكو على وقف عملياتهما في إدلب، ويلفت هؤلاء إلى أن تركيا ستسعى جاهدة لاستغلال الظرف بمقايضة الجانب الروسي بوقف الدعم تدريجيا عن الفصائل المعارضة والجهادية، مقابل تحصيل بعض المكاسب كدعم خططها في شرق الفرات ضد وحدات حماية الشعب الكردي.

ويضيف هؤلاء أن نجاح تركيا في هذا المسعى غير مضمون في حال نجحت روسيا في التوصل إلى توافقات مع الجانب الأميركي.

وقام وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الثلاثاء بزيارة إلى روسيا حيث التقى بنظيره الروسي سيرجي لافروف والرئيس فلاديمير بوتين وسط أجواء إيجابية توحي برغبة البلدين في تحقيق اختراق في الملفات الخلافية وعلى رأسها سوريا.

وقال بومبيو في مستهل لقائه مع لافروف “أنا هنا اليوم لأن الرئيس ترامب ملتزم بتحسين هذه العلاقات”. وأضاف “لدينا خلافاتنا، فكل بلد سيحمي مصالحه وسيهتم بشعبه، ولكن لا يعني ذلك أن نكون خصوما في كل قضية”.

بدوره أبدى وزير الخارجية الروسي استعدادا لفتح صفحة جديدة في العلاقات. وصرح بقوله “أعتقد أن الوقت قد حان لبدء بناء نموذج جديد للفهم المتبادل يكون مسؤولا وبنّاء”.

ويرى متابعون أن توصل الجانبين الأميركي والروسي إلى توافق بشأن سوريا قد يسحب البساط من تحت أقدام تركيا، التي لطالما لعبت على حبال الخلافات بين الجانبين في هذه الساحة.

ويشير المتابعون إلى أن الولايات المتحدة في حاجة إلى تبريد بعض الجبهات المفتوحة وخاصة مع روسيا، مع تفاقم حجم التوتر بينها وبين إيران والذي قد يصل إلى انفجار في المنطقة.

ويلفت هؤلاء إلى أن التصعيد الجاري على الخط الإيراني الأميركي يصب في صالح روسيا التي يبدو أن الطرفين في حاجة إليها بشكل أو بآخر.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: