الإرادة المعرفية في مواجهة القمع

بقلم :ريبر هبون

النقد برمته ليس باباً يتسع للحديث من خلاله عن كل شيء، يغزو فضول الساعي لمعرفة ما قد تخبئه الحياة إلى جانب العديد من الأزمات التي تتشبث بالطبيعة البشرية لتكون بداية للدخول في شتى المفاهيم الموغلة في العمق الإنساني على مسرح التناقض ، ففي خضم تجربة الكتابة تتآلف القيم والمعايير في نسبيتها والحقائق بجوهرها لتشكل الإيقاع الذي ينشد للفن وجوهر الحياة والفن هو جودة اللعب على حد تعبير (كروتشه) .

إن كشف الآثار المرضية في الطبيعة البشرية هو جل ما يشتغل عليه المعرفي في بيانه الإنسان وتعامله مع المادة لا كوسيلة تعايش سلمي إنما كغاية تمحو قيم الإنسان المتعلقة بالفضيلة التي هي مبدأ أولي طبيعي في تغيير الحركة التاريخية التي تتجه باتجاه وضع حلول للإنسان ،لرؤية واقعية قائمة على بناء الإنسان من الداخل ووضع الحلول الكاملة لا أنصاف الحلول في بث القيم البشرية العادلة من جديد بين المجتمعات البشرية على اختلاف طبقاتها، حيث يجسد الصراع مدى الإنقسام البشري والتفاوت بين المجتمعات المتقدمة التي تبتكر الأشياء وتفكر دائماً باستخلاص بدائل حياتية في حياتها ومسيرتها عموماً وبين مجتمعات ما تزال تعتمد البساطة والبدائية في التعايش مع الأشياء وافتقارها إلى آليات التعايش الجديدة والرقي في التفكير و اتساع الهوة بين الغني الطامح والفقير المتلاشي أي التابع ، فالانغلاق ضد حيوية الأفكار، وهو الحائل دون أن تنهض القوى الخلاقة لتسمو بالحياة وترقى لتكون انطلاقة لأفكار عليا نهضوية تستقيم من خلالها الحياة المتجلية بطاقات أفرادها، بيد أن طبيعة الصراع ما بين الآمر والمأمور، ظلت عثرة في إعداد جيل يعتنق قيم النهضة طواعية، ولكن العائق أمام سمو الإنسان بحياته، هو التعسف والإكراه، حيث الإنسان طاقة لا متناهية إن أحسن ضبطها وتقويمها بما هو ضروري، فسوء الترشيد والاستثمار ، ينجم عنه الإحباط والفشل، على عكس التحفيز لما له من نتائج إيجابية قادرة على قلب معادلة الحياة الصعبة لحياة أكثر يسراً وإبداع وطاقة.

حيث لابد من العمل على مبدأ التأثير الوجداني إلى جانب بروز الفكر المتقد بما يحمل من لذاعة وقوة، ولعل الانفجار الشعبي في ماهيته استجابة لمنطق التغيير الحتمي، طبيعة العلاقات المضطربة القائمة على الخوف والاحتقار، إذ تحبط القسوة معنويات الذات، وتجعلها في حالة استنزاف نفسية، ناهيك عن جهود الأفراد في العمل وبذل الجهود على عكس القائمين على الإدارة ، تتنازعهم شهوة السلطة فتفقدهم مرونتهم الجوهرية .

ولاشك أن لتأثير الإيديولوجيات الشمولية دوراً في زعزعة استقرار المجتمع، وذلك بتحكمه بالفرد، وحصر ذهنيته بالشعارات ،والأدعيات وما هنالك من طقوس تنحو منحى التسليم بمقتضيات الحاكم وشؤونه دون منازع، إلى جانب تجسيد روح الخواء داخل الشخصية، إثر تعليبها، وجعلها تعيش داخل دهاليزها الخرافية، دون أن تفكر بفداحة الركون لرواسب السلطة ومفاسدها، وتحكمها بالعقل الفردي، وإقصاءه ، بل إخصاءه، وكذلك فإن خواء ذهنية الفرد واتخاذه قطيعاً ، يؤدي لبروز العاهات النفسية وشيوع مظاهر الفوضى والاغتراب المزمن، فتأثير المخدر لا ينجلي إلا في لحظات بدء الدمار والخراب، إثر عهود غشاوة وخوف، أدى بسيادة ثقافة القطيع بالتزامن مع ترسخ المنظومة الشمولية وتجذرها عبر نمط سلوكي متصل بالعوائد والطقوس الدينية إلى حد كبير..،فنكران الموت، مشتق من تشبث المرء بالحياة وأخلاقيات التعايش بين البشر.

-ثنائية الأنا والآخر :

يكشف الأدب عن حقيقة هذا الصراع بطرائق وجدانية ليست بعيدة عن التساؤل، والجدل الفكري المتصاعد، حول التعريف بجدلية الأصالة والمعاصرة، بما لا ينفصل مطلقاً عن موضوع الأديان وتأثيرها الميتافيزيقي على النفس.
حقيقة الصراع المستمر بين الأصالة والمعاصرة،من بعدها الفلسفي تذكرنا بنظرية مركب النقص لدى يونغ و ادلر وتقسيمه للشعور إلى نوعين ، لا شعور فردي ولاشعور جمعي، وما بين الفرد النخبوي المتطلع للجدة والترسل باستقبال التغيير وبين خليط العادات والمفاهيم الشعبية التي تشكل الثقافة المجتمعية ، مفارقة مرتبطة بجدلية الحياة والصراع نحو الأفضل.
يحرص سارتر في جعل الآخر جحيماً،كون الإنسان لا يمكنه إنقاذ نفسه من تساؤلاته وآلامه ، حيث يبحر في الوجودية ، ليجد أن الآخر يمثل للمرء العائق، وبكل الأحوال يبذل المعرفي المبدع مجهوداً في ظل أي خطاب أو نص يحمله للمتلقي ليبرهن عن ذات المشكلة الوجودية التي تؤرق مسارات حياتنا برمتها، إذاً فالإنسان الوحيد من يحمل خياراته إزاء الوجود المعلن ويتحمل نتائج اختياراته ونعوته، تجاه الأشياء والظواهر، وكما أن الآخر يشكل العائق المثالي لصيرورة حياتنا برمتها، غير أننا ندين له بالفضل ، كونه الحلقة الأهم في تعرفنا على ذواتنا وكيفية الأخذ بها في الحياة، جدلية الذات والآخر في سياق البحث عن المشكلات الوجودية، ومعرفة المدى المجدي من الخوض فيها، ولعل وجودية الوجع في ذاكرتنا تتدخل في نظراتنا الجدلية لحتمية مسار الحياة القائمة على الارتقاء للفناء ، ولكن ديمومة الماضي في الإنسان تزداد تأصلاً وما تلبث أن تطفو على السطح ، وفي حديثنا عن سارتر وبيان مقولته أن الآخر يمثل الجحيم ، دلالات هامة فهنا قال سارتر في مسرحيته (الجلسة السرية) إن” الجحيم هم الاخرون “.، الأخرون الساعون لإثبات منهج حياتهم، وكذلك لإغراق ما في جعبتنا من أهوال وعوائق يزرعونها جاهدين في طريقنا وهكذا فإن المسعى الإبداعي الذي نبثه في دواخلنا يمهد لجدلية الأنا والآخر على نحو مفصح أكثر،فنقول أن العاشق مثلاً يطمح إلى ان يرى ذات المحبوب تتلاشى في ذاته، بينما في صميم المشهد الواقعي نجد أن الأفكار تتهافت لصنع مذهبها الحي بعيداً عن الرؤى الوجدانية المباشرة، فلاشك أن الرغبة في الحل والاحتكام لمنطق أن الحياة هي خليط من مفاهيم غير مستقرة، وأحلام تغزو المرء ، وما تلبث أن تنال منه قسطاً يسيراً من التأمل، مما يجعل الذات المبدعة تحاول جاهدة للوصول بالحقيقة الإبداعية إلى مبتغاها الهادف ، وهو صناعة طرائق مفيدة من الارتقاء بوعينا التحصيلي الناتج عن خبرات وحوافز وإمكانات نتبادلها من جوهر هذا التنازع ، ففي موضوع سعي المحب للتوحد بجزأه الآخر وهو ما يشبه علاقة المبدع بأدوات إبداعه ومن ثم بوجوده ، بيئته ومشكلاتها، فلا شك أن ذلك يتحقق بعملية الإندماج الكلية مع تلك القضايا لتصبح العامل الأقوى للإبداع،فالاندماج مع الذاكرة هو غير ذلك الاندماج المتحقق في العلاقة الوجدانية بين الرجل والمرأة،ولكن يوم يتحقق هذا الأندماج، يفقد العاشق شخصية من كان يحب، ويستعيد عزلة (الأنا)، نجد أن الأنا هنا هي المفصحة عن خيارات الذات في تشظيها وبحثها الدائم عن حلول لوقائع تتوسط الماضي والنزوع الاستشرافي للمستقبل، ثم أن كان الحب يعني رغبتنا في أن نحب، فهو يعني أيضاً انقيادنا نحو سبر ماهية الارتقاء للأفضل في طلبنا الخير الأقصى بمسماه الواقعي، فالهاجس الإبداعي برمته يمعن أكثر في إشكالية الذات والآخر، واصفاُ في الآن ذاته سعي الذات للتوحد بالآخر وجدانياً ،فهو يعني أيضاً أن يريد الآخر حبنا له أي أن يكون في حاجة إليه، من هنا تتحقق جمالية المسعى ، وكذلك يتحقق الشرط الإبداعي في البحث عن الحياة التي يرتقي لها المعرفيون في المسير بهذا الموج المجتمعي نحو حقيقة الوجود الحر المحكوم بالجمال، رغم جدلية التنازع القائمة في كل ركن وصعيد وتحكمه بكافة المسارات والميادين المختلفة،إذن فوجود العاشقين هو في تنازع دائم، كأي وجود آخر، فكلما كان الإمعان في ذاتنا عبر مرايا الوجود ، كلما بانت حقيقتنا الجميلة أكثر واتسعت باتساقها وتناغمها مع الطبيعة، هكذا يكون الوعي بالجمال خالصاً، وتكون للحكمة دلالتها، كون الحكمة هي ابنة الجمال الكامن في الوجود ، ولا يتحقق وعينا بالوجود دون إيغالنا بالسحر في هذا العالم المكتظ بألغاز النشوة الخلابة ، عبر التجوال في مداه المطلق، للتعرف على الذات ،وهكذا فالوجود الذي بدأ لنا كأنه النعيم المقيم لا يمكن أن تنجلي خباياه ،لو لم يكن ثمة وعي فردي هو الأنا، الأنا التي تعمل وتكدَّ وتقرأَ وتسبر الأغوار، فهذا يشكل حقيقة نشدان المعرفي للخلاص من قيود المفاهيم المتحجرة، ولا يدرك المرء نعيم الانسياق لمطلب الحب ، دون التأمل في مجريات الزمان والمكان في توأميتهما، حيث السر الأجمل في استدعاء الجوانب المتعلقة بالفن والعلوم الإنسانية، ينبجس كل شيء من خلال جدلية الفرد والطبيعة، في خضم الموجودات، ويبان ذلك المجتمع في ظل الترابط المحكم بين أنسجة الإبداع الحي المقيم في الوجود ، وبين مطلب الذات الفردية في التقصي والإبداع والإيغال بعيداً نحو الجمال، وما النقد إلا جزء مكمل من العملية الإبداعية، وهو تماثل آخر ووجه مقابل لجدلية الفرد والطبيعة، الوجود والموجود، المبدع للنص، والموغل للنص، الفلسفة وشارحها، إن هذه الثنائيات المتقابلة، تستكمل فصول بعضها الناقصة، حيث أن النقد يتغذى على النص الجاهز، وحيث أن القيمة الإبداعية تنجلي بتمامها حين الإيغال التحليلي التأملي في ثناياها، وهكذا دواليك.. هنا إشارة مهمة للآخرين الذين يحولون بيننا وبين حياتنا وتأملاتنا، حيث يبقى وجودهم الجحيم المهدد لكل ما نحتاج ترتيبه لحياتنا، ولاشك أن ذلك العائق الذي يقف بين الذات والتأمل الخالص، هو الذي يتحول مراراً إلى جحيم وشر، بسبب وجود الآخرين، غير المدركين لجهود المرء لصيانة الروح، وتنظيم دوافعها واحتياجاتها، غير الآبهين للجمال الذي يكمن في الجموح للطبيعة ، والاستفادة من مزايا الجمال، هذا ما جعل الغضب والحنق هو النتيجة التي تتصدى لقوى القبح والتشويه، التي تقف حيال أفكارنا وأحلامنا وطموحاتنا في تلوين حياتنا بالجمال والتأمل والمعرفة الدؤوبة، جدلية وجود المبدع إزاء العائق البشري، العلة الكامنة إزاء صيرورة الإبداع ونقاءه، حيث يكون الآخر متطفلاً على الإبداع، غير عارف أو آبه لقيمته الداخلية ، في إشارة أن وجود الآخر يمثل الإشكال عادة في السير بالجمال لمساره المأمول، حيث نجد سارتر يرى في الآخر العلة ، ويرى وجودنا كذات عالة عليه ،فيقول سارتر: “..الغير هو الآخر، الأنا الذي ليس أنا..” وهنا تتكون الرؤية المعرفية نحو تحسس مفاتن الجمال، والانغماس في مدلولاته الحميمة، والانقياد إليه، يهبنا آليات دفاعية تتلخص في إبداء الحرص عليه، إزاء فئة تستعبد هذا الجمال، وتقصيه، لماذا التنازع؟!، هنا يمثل في الحقيقة الهدف من الصراع وتلك الجدلية الوجودية، حيث ثمة فئتان ، فئة مرهفة مبدعة تسوس حياتها عبر اعتمادها الحياة الفطرية، وما يتخللها من إيمان بجملة قوانين ، عبر يتم تنظيم الحياة بمثالية ما، وهذا ديدن الطبقات الباحثة عن حياة أكثر هدوء ومعنى في الصميم الذاتي، مقابلها فئة منفعية تؤمن بالاحتكار، والسلطة ، كونهما أس حياة هذه الفئة ومبلغ اهتمامها، إذ أن الجمال بالنسبة لها هو حيازة الأشياء، وتجلي الجمال هو في الربح والنفوذ، إذاً هناك مذهبان متمايزان واعتماداً على حجة (تحليل لغوية) تتمثل في تأويل وتفسير كلمة (ليس) نجد أن الحياة لا تعاش إلا على مبدأ التنافس والغيرية، في تقديم مذهب على مذهب، وكذلك اللعب المكشوف على وتر أن البقاء للأجدر، الزخم الإبداعي في تصادم مع العبقرية النفعية، وجل مطمح العلوم الإنسانية ، أنها تبحث عن الإنسان خارج دائرة العلم المرتبطة بقيود العقل وتصوراته، وكذلك بعيداً عن الجنوح العاطفي في اعتماد الوجدان كميزان لتصحيح المسارات المغلوطة التي اعتمدها البشر في أطوارهم التاريخية المليئة بالمغازي والعبر في تطويعهم الفكر لأحد تصورين إما الاسترشاد بالعقل المطلق أو العاطفة المطلقة التي لا تؤمن بأن المعرفة قادرة في جوهرها على استيعاب كل شيء بما لا يتفق مع مذهب العاطفة التي تدين بالروحانية التقليدية حيناً وبالتجرد نحو الإبداع حيناً آخر ، حيث يستنتج سارتر أن هناك عدم وانفصال وتباعد بين (الأنا) و(الغير).
الحروب التي تشن على الأنظمة شرق أوسطية بزعم تغيير أنظمتها ، هي في الآن ذاته تحمل في جوهرها استبدال المأساة بواقع يتخلله الضجيج والافتراء والفوضى، في إشارة إلى أن التغيير لا يفرضه الخارج، بل تقف خلفه الإرادة الجماهيرية الواعية..، فالإدراك لضرورة التغيير هي حاجة المجتمعات، لكن القوى الخارجية من تتلاعب بخيوط اللعبة ظاهرياً، حيث الصراعات التي لا تكاد تتوقف وتهدأ، و الواقع السياسي المتلظي بنيران الاستبداد والتدخل الخارجي، فإدراك المعضلة الحاصلة في جذور المجتمع المكبل بأغلال الوصاية وتفشي علل السلطة في مؤسساته، هو المرجو في عملية إنتاج النص الإبداعي، وقد تم اعتماده ، لجعل تجسيد الواقع والفكرة الممثلة الحل، هو جل الحيز الذي يشغله النص ، الشارح لمظاهر التفسخ والتشرذم وغياب البوصلة، فأي إدراك يقف عند مستوى الجسم وما هو ظاهري، يصبح معه الآخر مجرد موضوع أو شيء، لكن في واقع رصد معاناة المجتمع، كان لابد الإشارة إلى أبعاده النفسية، ومآلات النظام القمعي داخل بناه ، والفوضى الحاصلة التي رافقتها الصراعات الخارجية، والحديث في ذلك الموضع طويل وشائك ،وفي الحرب تتضاءل إمكانات السعادة الهادئة، فيصبح التأمل في المكان المدمر، والاحتجاج على الانتهاكات التي استقرت تماماً في قلب الذاكرة، حديث الشجون أبداً وكلها طرق لمدواة تلك الكرامة المستباحة تارة عبر سياط الجلاد ، وتارة أخرى بسبب الحرب التي ما انفكت تدور رحاها لتفتك بالآمنين،حيث يتم التقاط أفخم صورة لأبشع لقطة جريمة مبتكرة، نجد التركيز على معاناة المرأة في الحرب، كونها تحتمل كل تداعيات ونتائج الحروب التي يصنعها الرجال، ذود النساء عن الأبناء الجرحى، اعتماداً لتجسيد علاقة الإنسان بالمكان، علاقته بالآخر، وكذلك نظرة المجتمع للمرأة من كونها المخلوق الأكثر تحملاً لغطرسة الحروب، مما يستدعينا هنا للنظر إلى الحدث استناداً لتعامل الإنسان معه ، كمغزى لتلك العلاقة بين الأنا والغير حيث يقول سارتر: “..أن العلاقة بين الأنا والآخر هي علاقة تشييئية ما دام أن كلا منهما يتعامل مع الآخر فقط كجسم أو كموضوع أو كشيء، لا تربطه به أية صلة..” والرصد للحدث انما هو بحث عن هذه الجدلية برمتها، وكذلك عقد تقابلات وروابط فيما بينهما، إيجاد المغازي في تقابلاتها، وإخراج المشاهد لساحة التأمل، لتكون ميداناً للاستقصاء والبوح الأعلى في نسيج الدراما الوجدانية، العاكسة للأفكار على نحو مختلف، فلا ينظر للجانب الدرامي إلا من سياق جدلية الذات والآخر، كونه العاكس لحالات الإنسان وأطواره المختلفة مع ما يقابلها من سبر نحو ماهية الترابط الفكري الكامن وراء عرض المشاهد، وإبداء المواقف المباشرة تجاه الحوادث الحاصلة في المجتمعات ، والمتحكم بمصائرها، وطرق تفكيرها وآليات بثها لاعتقاداتها، ولاشك أن العلاقة المكانية منحصرة في جدلية الثنائيات، وما بينهما من علائق وعوائق متباينة، وإن تم ذلك البحث عن القرائن التي تحصر علاقات المجموع في سياق الجدلية التي تعم كافة الموجودات على اختلافها، فلا تفصح الكتابة فحسب عن الحديث في نتائج الجدلية الجارية في الوجود بقدر ما تحاول نقل ذلك كحصيلة تجارب للإنسان ضمن سياق التعاطي الدقيق للعلوم الإنسانية برمتها كونها تجعل من الإنسان المحور والغاية الأساس لفاعلية وجودها.
لنتأمل مقولة يوحنا جـ. استوسينجر في كتابه لماذا تذهب الأمم إلى الحرب،” إلى أن كلا الطرفين سيدَّعون أن الأخلاق هي مبرر قتالهم. وهو ينص أيضاً على أن الأساس المنطقي لبداية الحرب يعتمد على تقييم مفرط في التفاؤل لنتائج القتال (الإصابات والتكاليف)، وعلى التصورات الخاطئة لنوايا العدو. ”
المقامرة هي التي أودت بالمجتمع إلى نفق هاوية غير معلنة ، قادتهم ليكونوا وقوداً لجشع أرباب الاقتصاد ومافياته، وهذا ما يحيلنا للعودة لسارتر حين قال : ” الأنا لا يدرك الغير كما هو في ذاته، بل يدركه كما يتبدى له ضمن حقل تجربته الخاصة، وهذا يعني أن نظرة الأنا للغير هي نظرة اختزالية وإسقاطية، فضلا على أنها نظرة سطحية ترتكز على كثرة متنوعة من الانطباعات الحسية، ولا تنفذ إلى أعماق الغير من خلال الاقتراب منه والتعاطف معه..” وجوهر القضية هو دوام التصارع وتغليب التوجهات على أخرى، ضمن اللاحل، حيث يتهافت البشر على التشبث بقناعات على حساب إنكار أخرى، ويعمد المتحكمون لتسعير هذا التنازع وفق مصالحهم وأجنداتهم، وهكذا فالنظرة تجاه الغير هي حقاً كما رأها سارتر اختزالية بمعنى أنها متمحورة في نطاق الأنانية العملية المتشبثة في ماهيتها بقناعات تسيرها، وإسقاطية تعتمد على الواقع في بروزها نحو جملة المنافع المحددة..، لعل في رحلة البحث عن الأفضل ، في تفاصيل النص التأملي، تكشف لنا النقاب عن الفترة التاريخية المتشظية بالأحداث ، وعن المعنى من الكتابة الواقعية، التي تتخللها الأفكار المفصحة عن تصورات كان لابد منها أن تشكل سجالاً كثيف المستوى بين الناس، لا أن تصل النخبة دون عموم الفئات، حيث لا تحتمل الكتابة الواقعية الحقة، أن تكون حبيسة الفنون الكمالية، بل تحت الطلب دوماً كونها عاكسة للحاجات الإنسانية الطبيعية، وهي بدورها ترتقي عن النصوص التخييلية ، حيث الأخيرة تخاطب الذائقة وتداريها، بينما النص الواقعي خلق كخطاب تهييجي للجماهير المتعبة، ففي زمن تصارع النظم الاستبدادية واستماتتها للبقاء وصية على جماهير تعاني من الغليان المستتر.

اترك رد

error: نشكر زيارتك لوكالة صدى الواقع السوري , يمكنك فقط مشاركة رابط المقالة لديك , شكراً لك
%d مدونون معجبون بهذه: