الإرادة المعرفية في مواجهة التطرف الإسلامي

 

الإرادة المعرفية في مواجهة التطرف الإسلامي

بقلم : ريبر هبون

ليس سلوك المرء نهج فهم الألم وتعريته مبنياً على رغبة ذاتية يميل لها ذوق وخيال المبدع أو الحالم، فيلسوفاً كان أم فناناً ، وإنما لصوق الفرد بمعاناته المقترنة بالجماعة ألزمه قسراً للتحليق في متن الألم،  إن الذات تبذل مجهوداً في ظل الحرب كي تنهض بأعباءها وأثقالها وتتخطى الاكتئاب ، لكنها ما تلبث أن تصطدم مراراً  بصخرة العائق، غريزة البقاء المدافعة عن نفسها والحديث عنها ،  فالموت حدث مؤثر في صناعة الفن ،  وعنصر حيوي يدفع الفرد لبذل مجهود لفهم ما يدور في الحياة من صراعات ومنافع ،  ففهم النفس الإنسانية نابع عن مدى تمترسها بحب الحياة ، والالتحام الشديد بالرغبات والعواطف والطموحات الإنسانية، ولعل حقيقة الصراع القائمة ترسخ مفهم الأضداد القائم على إحقاق حق الحياة كبديل عن ثقافة الموت والتطرف الديني، وأهم ثيمة لاستمرار  ذلك الصراع هو عشق الأرض وتمثلها في العاطفة والوجدان الذاتي من ثم العام كقيمة جمعية، بعيداً عما تقوله الإيديولوجيات السياسية، وإنما بغية تأسيس وعي إنساني، فإنه لزام على المبدع أن يخاطب الأذواق المختلفة بنداء الوجدان الواعي، وليس بما تقوله الخطابات السياسية التدجينية، إن جملة المؤثرات اللغوية الإنسانية في حقيقتها تذهب لحل مشكلة الوجود ، ولعل مأساة الفرد في تصور الأديب ، أو المفكر ، تذهب إلى أبعد من أن تكون مجرد حدث، فكثيراً ما تكتظ الكوميديا بالمأساة ، أنها مزيج مركبات شعورية من سخرية وتهكم وألم وغضب، يجعلنا ندرك أنها آلية نقدية لمعالجة كل رواسب الحياة وتصدعاتها، فليست الشتائم إلا ردة فعل نفسية نابعة عن طغيان جانب الغضب والحيرة في شخصية الفرد،  فالحب وجد ليذود عن نفسه في حياض الحرب، وكذلك

. الدمقرطة جاءت لتكون مناهضة للاستبداد والتطرف والعودة إلى الهمجية البدائية
استطاع الكورد في غربي كوردستان (سوريا) وجنوبها (العراق) تحقيق النصر على داعش بمؤازرة التحالف الدولي، عبر تغطيتها الجوية وضربها لمواقع داعش وطرق إمداداته، بالتزامن مع تقدم القوات، ولابد بعد النصر العسكري أن يتعزز ذلك معنوياً داخل الناس،وما كان ذلك لينجح لولا الحافز المعرفي المتجسد بوعي المقاتلين بسلبيات التطرف ونتائجه الكارثية على الإنسان وحياته، هذا الوعي الدال على كفاح المعرفيين الشاق في سبيل المعرفة الحياة والإعمار، مقابل قوى تعمل على التدمير والقتل بلا هوادة،  إذ يعد التطرف الإسلامي وبالاً على الفكر، المجتمع والجيل الناشئ ومعادياً لكل نهضة اجتماعية معرفية صحيحة، فكان لابد من تعرية المقدس وفهمه جيداً ومناقشته بطرائق أخرى ، فما الحروب والنزاعات الدينية الطائفية إلا وسيلة لقهر المجتمع واستنزافه، وهذا يدخل في سياق تجهيل الفرد، والآليات الدينية تسهم بسلاسة في تعميق الهوة بين المجتمع والقراءة في مختلف الإتجاهات الفكرية، وأحد الأسباب المعطلة لمكافحة التطرف الديني فكرياً هو سعي الجهات السياسية الدولية في استخدام الجهاديين كورقة ضغط على بعض الدول والجهات السياسية المتصارعة معها، وبذلك تتجاهل الاهتمام بالمكافحة الفكرية للتطرف، كونها ترى الأولوية في مصالحها ومنافعها، فضراوة الصراع هو نتيجة عن تواطؤ دولي واضح في مكافحة الإرهاب الجهادي، حيث لم تلقى مكافحة الإرهاب فكرياً أي اهتمام ، فباتت شعوب الشرق الأوسط من ضحايا هذا الإرهاب، وطغت لغة المصالح الاحتكارية لدرجة تواطؤها مع الإرهاب ذاته، فليس الإرهاب حكراً على جماعات معينة بحد ذاتها وإنما تمارسه دول ترعى الإرهاب جهاراً نهاراً وهي عضوة في حلف الناتو1 (تركيا) وكذلك نجد الدور السلبي لإيران بدعمها اللامحدود لميليشيات إرهابية كالحشد الشعبي وحزب الله، والفاطميون وفصائل أبو الفضل العباس والحوثيين ، إذ لا جدية لدى مجلس الأمن أو الأمم المتحدة في وقف الجرائم والانتهاكات وإنما تتحرك حسب مصالح الدول المؤثرة، وحسب الفيتو الذي ترفعه بوجهها لتعرقل أي مسعى لحماية المدنيين ، فلا تتطرق الرواية بالتأكيد لكل ذلك الفيض من التفاصيل السياسية وإنما تهتم بالحقل الإنساني ، لما تحتويه من مواجع وشجون وآلام ناتجة عن تلك الحروب والنزاعات

. التي تحصد نتائجها شعوب المنطقة دائماً
التعصب الديني المذهبي سريع الولوج للمجتمعات التي تعرضت للعنف الدولتي، فالأنظمة القمعية تهدد دوماً بأن بديلها هم الإخوان وتشكيلاتها المنتمية لجوهر فكر القاعدة، يُظهر الكاتب جانب المأساة الصادمة في حيثيات أحداث الرواية، ليؤكد على أهمية التآلف الاجتماعي، والصمود بوجه الملمات، والظهور بمظهر المتسلح بالحب والإيمان بالأرض، فتفشي التطرف الديني تلا إرهاب الدولة بحق المواطنين، مما يشهد في كثير من الأحيان تواطئ الدول القمعية الإقليمية في دعم التطرف الديني لأغراضها المتعددة، إذ ثمة صلة طبيعية بين إرهاب الدولة الذي يفسح المجال لفوضى حروب أهلية تسهم في تدفق الإرهابيين وكذلك السلاح، كما في أفغانستان والعراق، وأخيراً اليمن وسوريا، فالمدن المدمرة ، غياب الأمان وموت الشباب، كذلك تجنيد القاصرين ، كل تلك الأوبئة الناتجة عن الحروب الداخلية ، شرعنة الجنون كامنة في حقيقة التنظيمات المتخذة للمقدس ذريعة للتمدد والاتساع، مستفيدة من كم التجهيل الذي رعته النظم القمعية طيلة عقود متتالية من الإنقلابات العسكرية وحالات عدم الاستقرار التي رافقت القمع السلطوي وفياب العدالة والقانون ، وتحول الوطن لساحة فوضى يتقاسم مساراتها المسؤولون ورجال الأمن والمخابرات، في ضرب الإستقرار النفسي للفرد وخنق الأصوات المطالبة بالتغيير ورفع الطوارئ والأحكام العرفية، الأمر الذي ولّد احتقاناً شعبياً وتجهيلاً حقيقياً اتسع بتفاقم الفقر والبطالة وانتشار الفساد والمحسوبيات وتسلط العادات والتقاليد الذكورية، فالمتطرفون وإن أدركوا انحسارهم قريباً إلا أنهم لا يتراجعون عن قتلهم وبترهم للرؤوس، لأن ذلك وارد في صلب عقيدتهم، فالكارثة حتمية ولها سياقات مرتبطة بتفتت المجتمع الكوردستاني ومعاناته سياسياً بسبب ذهنية السلطة التي تمارسها الزعامات على نحو إيديولوجي مقيت يتسم بالتفرد وإقصاء المخالف، وكذلك وجود أزمة في ذهنية المعارضة، فهي ترتهن لأجندات الأعداء على نحو مباشر ، كل ذلك يمثل ثقلاً على كاهل المجتمع، ويجعله بمعزل عن الأمان الذي ينشده ويسعى إليه، حيث النزوح والموت والاشتباكات والحواجز على الطرقات، أفضى لمشهد مأساوي، فداعش حين تبطش فهي تستلذ ، والانتقام لذة مستترة تخفي سعي المتطرف الغريزي إلى التوحش والإجرام، إرضاء لاضطرابه النفسي، فالعمل الأدبي يقيم المناخ الشجي الهادف للتأثير على المتلقين ودفعهم لفهم الحقبة والزمن وخصوصيته ، وما صدر عن الأفراد من ردود فعل تنم عن كراهيتهم للتصعيد

. وابتعادهم  عن الخطر، رغم وجود المحتمل في كل مكان وليس هنا الموت بمعزل عن أماكن الآمنين
وجب فهم المعضلة المتمثلة بتخلف أدوات مواجهة التطرف الديني وكذلك الإبادة الثقافية والابتعاد عن الروح القومية الجامعة من خلال التحليق في أوهام المشاريع المخفية في جوهرها نكهة العبودية وإقامة سلطات انقلابية جديدة هي بالأصل نتاج النظم القمعية المحتضرة، إلا أن الرهان الوحيد هو روح المقاومة النابعة من إرادة شعبية فتية تكافح لأجل بقاءها ونوعها العرقي ولونها الحضاري، لاشيء آخر غير ذلك، رغبة الشعوب في المقاومة والتشبث بإرثها الثقافي والوجودي أقوى من مؤامرات النظم القمعية والتي تسعى لتكون مكانها، فالحب هو المعادل الحقيقي للوجود الإنساني في ظل الحروب والأزمات التي تطال الشعوب، كل تلك العواطف المتأرجحة في واقع مجتمعات النزوح والحروب الأهلية، يشير إلى نوع من المقاومات يتم إبداءها بغية احتمال أطول للمأساة، حيث تربية الغباء من عمل الساعين لتسعير الحروب الأهلية وتعليب المجتمع، وبالتالي يسهل على الجهاديين اختراق المجتمعات وسحبها لمعاقلها، فالجهاديين الدينين واليساريين ، يكادون يلتقون على قواسم مشتركة مرتبطة بتأليه الزعامات، وكذلك الاهتمام بالمجال الدعائي تحت مسمى التدريب أو الدورة الشرعية(غسل الأدمغة) ، وقد أثبتت الإسلام السياسي، كما أثبتت الإشتراكية السوفيتية ومشتقاتها في دول أخرى، أنها بؤرة لخلق أنظمة استبدادية مخابراتية غارقة في الفساد والاستبداد وعداء المعرفيات ، والمعرفيين، وكذلك إنشاء مجتمع قوامه الخوف والاغتراب والعزلة الخانقة، حيث نجد الاشتراكيين الشرق أوسطيين قد انقسموا إلى قسمين قومي وآخر مؤمن باليسار ، وقد انكفؤا عن أنفسهم في بدايات الحراك الشعبي المسمى بالربيع العربي  فكانت رؤاهم ومشاريعهم مواربة وكان همهم الوصول للسلطة، ولم نكن لنجد أن ثمة فرق بينهم وتلك النظم، وبالتالي عزف الإسلاميون على اسطوانة إقامة نظام إسلامي ومحاربة العلمانية ، فأودوا بالحراك الشعبي إلى الهلاك والاحتضار، فباتوا بيادقاً بيد الدول الإقليمية الداعمة لهم كالسعودية وقطر وتركيا وإيران،   فالتصدي لخطر الإسلاميين مثّل تحدياً لمكونات المنطقة، ولاسيما عزم تركيا العنيد في ضرب كل حالة تنظيمية كوردستانية ساعية لحياة حرة ديمقراطية، فنجد تعقيداً مستولياً على المشهد بالتزامن مع المعارك والاشتباكات المتلاحقة، وسبب انعدام الحرية الأساسية مرده ا استبداد النظام السياسي وإبقاؤه على التخلف، الأمر الذي يجعل من المجتمعات تواجه مصيراً مجهولاً في حال انفكاك العقد السياسي وتشرذمه وبروز التحدي التالي المتعلق بالفوضى والحروب الداخلية ، مثالاً مواجهة تنظيم داعش الإرهابي والذي يستخدم منتهى القسوة تجاه المجتمع، إذ لطالما تم قتل أمثال بروين بسبب محاولاتهن في أن يعشن كعاشقات ويتزوجن بمن يحببن ، من خلال جريمة الشرف والتي يدخل الجاني بعد ارتكابه لها للسجن مدة ستة شهور ويخرج بعدها بطلاً يعتد به، فحوادث الذبح  لا تختلف عما ارتكبته داعش لاحقاً بحق السكان الآمنين العاشقين لأرضهم وحياتهم، من هنا نجد نجاعة فن التأويل ومدى قدرته على التحليق والاستطراد بعيداً لفهم الواقع المجتمعي في كوباني، ومن ثم فهم الكوارث الإنسانية المتلاحقة جراء غزو داعش للمدينة وارتكابه للمجزرة بعد تحرير المدينة بعد شهور، فالعنجهية العشائرية،والأحقاد المناطقية الكامنة في روح المجتمع، تخفي في دلالتها تخلفاً طبيعياً تم تقليصه بشكل نسبي بعد 2011، حيث تغير واقع المجتمع اثر انخراط المرأة

. بشكل كبير إلى جانب الرجل في حماية الأرض والمكتسبات
لا يمكن للمجتمعات التي لم يكن لديها تجربة في خلق تنظيمات عنيفة أن تواجه الأذى الذي من الممكن أن تتعرض له، حتى النظام السياسي يحدد مستويات الاستعداد للعنف لدى المجتمعات، فحين يتم تجريدها عن العمل وابداء الرأي والتعليم الجيد، فإن ذلك يولد عندها حالة من النفور والاستعداء ومن ثم التهيوء للعنف ، إذا ما توفرت لها الأجواء ، وهي تنشط بوجود الفوضى، وتتغير تبعاً لذلك العقائد والتقاليد والعادات، ويصبح من الصعب لجم فورة الجماهير والتحكم بها إذ ما وجدت مساحة للتحرك من خلالها، ففي حين تنشغل السلطة بمواجهة التهديدات الخارجية الموجهة ضدها، تقوم الجماهير الغاضبة والمعارضة لها باستجماع قوتها لتقوم على نحو شرس في محاولاتها لتغيير طبيعة النظام، ورغم تلقيها القمع لأوسع نطاق، فإنها تحارب ولا تدخر وسيلة للإبقاء على فوضاها لحين يتم البت بتشكيل سلطة جديدة تنوب عنها، وهكذا نجد تعدد الأصابع الخارجية المتحكمة في ذلك لتقوم بوضع ثيمات لنظام سياسي جديد، وليد عن الأول ويحاول أن يكون جامعاً في قوانينه بين النظام المتهالك والقائم،  كما قال نيقولا ميكافيلي 3 بهذا الصدد بأن كل سلطة جديدة تبقي على بعض القوانين التي استعملتها السلطة السابقة للتحكم بالمجتمع،  كتاب الأميرفالنظام السياسي الذي بالغ في عزلة غربي كوردستان ، عزلة مناطقها بعضها عن بعض، وترسيخ المناطقية بين الكورد، أراد أن يفتت المفتت، وكذلك هزيمة العرقية الكوردية والحد من تطلعها للامام، إلا أن ثقافة النهوض كانت لها بالمرصاد، فكانت حالة الاتحاد والوعي الاجتماعي قادرة على ترجيح كفة الحياة الديمقراطية مقابل هزلية الحياة الذكورية غير القابلة للتطور وإنما للضمور بتقادم المراحل

. ومستويات الإرتقاء المعنوي ، الأخلاقي والمعرفي
لقد عمّق الإسلام السياسي المتحالف مع النظام السياسي القومي في سوريا من الفجوات الاجتماعية وجعل العنف خبزاً للحياة  والشتائم قاموساً لغويا،فرسوخ الحل عميقاً يكمن في حالة التصالح المبنية على تعرية الأزمات والوقوف عليها، فالمجتمعات المضطهدة هي مجتمعات تربي الكراهية وتنقلها كالأمراض المعدية، ومما نلحظه في المناطق التي تسودها أنظمة قمعية، نمط التفكير لدى الفرد والتي تحدده مؤسسات التربية والتعليم وطبيعة النظام العائلي، نلحظ أن المجتمعات المسحوقة ميالة للعنف والتنازع على نحو مضطرب، ونعزو أسباب ذلك لاستبداد المنظومة السياسية وفسادها وكذلك حقلي التربية والتعليم، حيث رأى أرسطو أن أسباب الحرب تعود إلى فكرة النزاع والتصادم في نفس الإنسان إلى جانب تأصل تلك النزعة في البيئة الاجتماعية، والدولة القمعية أسهمت في ذلك ونجحت فيه، وكذلك لابد من الإشارة إلى المستفيدين من عقلية التصادم والتنازع وتربية ذلك ، ترسيخه ليصبح أداة سطوة وترهيب، وسرعان ما تصبح مصدر إرهاب وتقويض بخاصة زمن الحروب الأهلية حيث تغدو الحدود أوهاماً، يتم فتحها على مصراعيها لتدّخل الدول الإقليمية المجاورة للدولة المحتضرة، ويتدفق السلاح من كل صوب وحدب، وتصبح الفصائلية ، حالة طبيعية، لاسيما وأن المجتمعات حينها تميل إلى التكتلات العصبوية الصغيرة في تعاملاتها اليومية، إثر

. غياب عدالة المؤسسة أو قوانين مدعومة بقوة النظام السياسي، بإمكانها سد هذا الفراغ وإعادة الحياة إلى سابقها
وكما أن نهاية كل نزاع هي الصلح ولهذا قيل أن الصلح سيد الأحكام، فكذلك نتيجة الحرب مهما طالت هي الاحتكام للسلم، إلا ان ذلك يتوقف على القوة المرجحة لأحد أطراف الصراع أما الوجع فيطال الأبرياء والعزل وحدهم، الذين يجنون من حصاد النزاعات،.
يرى جان جاك روسو6 بأن طبيعة الكون تقتضي وجود صراعات دائمة ، هذا يعني ان سيكون هنالك فسحاً رحبة لولادة روايات وأعمال فنية وفكرية، كون الإبداع وليد الحرب، والأفكار وليدة الصراعات، كما يرى توماس هوبز أن حالة الطبيعة هي حرب دائمة مما يفسر وجود الموسيقا والفنون الأخرى، وهذا يفسر ما ذهبت إليه فكرياً  بوجود هذا الصراع العتيد بين قوى الإبداع وقوى الاحتكار السياسي الربحي، على الرغم من أن جهود الغازين تركزت على التوسع وإلحاق ممالك وممتلكات وأقوام لخريطتهم التوسعية ، كانت جهود المعرفيات والمعرفيين تتجمع نحو البناء وترميم ما تم استهدافه، كتطلع حضاري ، حاول النهوض أبداً بالإنسان بالرغم من الحروب والنزاعات المتفاقمة، والتي أثّرت على مجموع  القيم التي يؤمن بها الناس والبسطاء ممن التزموا بالاعتدال وطلب الحياة بحذر دون إسراف أو إفراط،  في طلب المغريات والسعي إليها بنهم، فواقع غربي كوردستان إبان إنسحاب قوات النظام السوري منها بات مسرحاً للصراع الوجودي بين أبناء الوجود الوطن ، والجماعات المتطرفة ، ذلك الصراع ولأهميته بات سجالاً أدبياً معرفياً ، أعدّ اللبنات الأساسية لنهوض المجتمع الكوردستاني وريادته في مواجهة التطرف والأمراض الفردية الناجمة عنه، لقد توزعت الأدوار بشكل تلقائي ، فالمتطرفون يتجمعون في حلقة واحدة وضمنهم قمة فرَق تتخذ من الفروقات المذهبية وسيلة لممارسة العنف، وذلك ينطبق على الجماعات الأخرى، لا يعدم الناس وجود المسوغات التي تفتح لهم الباب للتصعيد والتنازع ، وبوجود الإمداد المادي والتجييش الإعلامي يستمر ذلك الصراع لتسعير المنطقة، وتوريد السلاح بكثرة، والهدف من ذلك السيطرة على الموارد والخيرات وإعادة توزيع الأدوار والأراضي، فتجديد الصراعات الدينية وإعادة إحياءها تقف وراءهما بقوة كل من تركيا وإيران، وهو تجسيد للأحلام القاتلة في الهيمنة على  المنقطة المعانية لسبات معرفي
فلكي تستمر صفقات السلاح ،  وتتحقق الأرباح ويجني تجار الحرب ما يريدونه على المدن أن تتدمر على الإنسان أن يموت، هكذا تتم صناعة المخاضات والأزمات، لتتعمق وتتأصل، لترتفع مقابلها يافطات حقوق الإنسان والأمن الدولي، تتوطد الروح المذهبية والقوموإسلامية لصالح زلزلة القيم وتفتيتها، لنشهد موجات النزوح ، نتيجة تدمير البيوت والمنازل على رؤوس قاطنيها، وملاحقة الإنسان الأعزل ومحاصرته، لانتزاع لقمة عيشه، كل ذلك على مرأى العالم المتمدن ، يتدفق المتطرفون في كل مكان من شتى أنحاء العالم ، ليمروا بتركيا ويختموا جوازاتهم هناك فيدخلون عبر الحدود المفتوحة لذهابهم وإيابهم، كل ذلك لأجل إبادة الشعب الكوردستاني ومحو وجوده من الخارطة، لصالح توحش التعالي التركي برائحته الإسلاموية، فالحلول المكتوبة بالحبر لا مكان لتطبيقها في واقع هش يشهد خراباً وسوء في الأوضاع ، لتغدو الديمقراطية حلماً مزيفاً ، وتغدو الحقوق المنتهكة يافطات معلقة في الهواء، يتم عقد صفقات باسم حماية اللاجئين ، فيتم توطينه في بيوت ممن نزحوا عنوة عن أرضهم ومثال عفرين التي بيعت إثر صفقة روسية تركية مقابل تسليم الغوطه واضح،  تتم تصفية الحسابات الربحية المتعلقة بالنفوذ على حساب الضحايا ، إخراج الناس من بيوتهم ، دكها بالبراميل المتفجرة، نهب وسلب الممتلكات ، لتكشف التواطؤ الدولي لصالح الإجرام المتفق عليه، لهذا ولَّدت لدى المجتمع نفوراً منتظماً وهياجاً ممنهجاً سيأخذها من ضفة النقمة لضفة الهبة الوحشية الناجمة عن صمت  مرقّع بخيوط من نسج العنكبوت، في حين أن  كارل ماركس 9 رأى أن الكبت في جوهره نتيجة لتناقضات  بين الحاجة للتطور الكامل للإنسان  وبنية المجتمع المحدودة ( ص 133ماوراء الأوهام إيريش فروم) إذ أن الموت في سبيل التغيير في أصله عائد لتلك

. التناقضات ، والتي تفرض على المجتمع ظروف في غاية من المأساة والانحطاط لأجل تشبثه بوهم التغيير
هناك موت يبيت له المرء سواء كان في هجومه على الآخر أو دفاعه عن نفسه ضد هجمات الآخر المتسلح بنظامه الخاص، وهنا يمكننا فهم العنف الدموي على أنه صراع احتكاري يتضمن اعتقاد الفرد بنقاوة عقيدته وأحقيته بقتل المنافس على الجهة المقابلة، فالأفكار بحاجة إلى مسدسات وقنابل لكي تبقى، وأقل الأدلة هو ما نشهده عبر التاريخ من حروب مقدسة  وجماعات تقتتل وتخلق الإيديولوجيات كمبررات في القتل والنهب والسلب ، نفهم ذلك الواقع القائم، على أنه استنزاف لموارد الوجود بذرائع واهية تتعلق بتفسير الحق والقيمة الأخلاقية  ، حروب لحماية قيم الله، أو الوطن ووراءها طالت يد المتصارعين الذين استعمروا وتوسعوا وبنوا ممالكاً وامبراطوريات مقابل تدمير ممالك أخرى قائمة واقتصادات، يقف الأدب هنا لنصرة الطرف المتصارع ضد نقيضه، وبارود التأثير البلاغي هنا هو جزء لا يتجزأ من معركة تفسير الحق والذود عن

. المعتقد المتصل بحفظ النقاء العرقي والإيديولوجي المرتبط بإرث الجماعة
الانتصار للإنسان وبقاءه مرتبط بنظرة الأديب ونسقه الإيديولوجي السياسي،الاختلاف في تفسير الحق ، وكذلك الذود القومي ضد الاستشراس القومي الآخر، التجييش الشعبوي ضد الهجمة القادمة من الجهة الأكثر نفوذاً وبطشاً وسطوة،

. أدب ينتصر لشعوب مهددة بالإبادة والفناء ، مقابل أدب سلطوي متغطرس يحمل في جعبته رائحة الجحيم والبلاء
الحزن والموت يحددان طريقة الحياة في زمن الحروب الداخلية، وبيئة غير آمنة ، لا أحد فيها بإمكانه أن يأمن حياته، في ظل حالة التأهب النفسية ، نجد جموع الناس مضطربة ، آخذة حالة الاستعداد لمكروه قد يحدث، تحول المدنيون إلى عساكر، وتغيرت مناخات المجتمع فلم تعد تأنس بالهدوء الذي يسبق العاصفة، فمراسيم الموت باتت شيئاً مألوفاً، المراسيم على صدى الأغاني الحزينة الثورية، غدا الموت احتفالاً  ومظاهر الموت تحولت إلى طريقة للتحدي والمشاركة في الحرب والصراع، ذلك طقس متصل بالحرب والتماسك بوجه مغتصب الحق والمعتدي على الأرض، الوسائل الدفاعية مباحة، والشعوب تقرر هنا أن تظل وتدافع عن هويتها لتظل راسخة بوجه الانطماس والاندثار، فالموت هو ضريبة الحياة الكريمة، وتجسيد ذلك روائياً مهم، ويجعل الإنسان مؤمن ضمنياً بطريقة الصمود تلك، فحين تتحقق الرفاهية ويتأصل الاستقرار لابد وأن يتخطى المرء كافة التحديات والمصاعب الملقاة في الطريق المحفوفة بالمخاطر والأعباء الجسيمة، فالحرية تحتاج لتدريب وتأهيل فكري وروحي حتى يضمن الفرد لذاته الروح الكفيلة بالعمل والنهوض ، فالقيم الطبيعية ليست مجرد أقاويل نظرية تسبح في بحور البيان، وإنما هي كيفية حياتية لإحقاقها وتجسيدها حياتياً ، كواقع لا يقبل المواربة والالتباس، والرواية الوطنية تقوم بتلخيص مجموع القيم المعرفية لتكون ترساً منيعاً بوجه التحلل والرهاب الذي تشنه النظم القمعية ضد الجماهير كي تعريها من الثقة والتحدي الذي يقف بوجه الآباء والأمهات،  برؤيتهم لأبناءهم وفلذات أكبادهم وهم يتسابقون أفواجاً نحو الموت لنيل وسام الشهادة لأجل الوطن الحلم كوردستانوكذلك لانتصار قضية الديمقراطية كمعادل موضوعي وبديل عن العبودية والظلم الاجتماعي، فسعي الجماهير الهائجة هو لأجل التحرر الطبقي والمساواة، إزاء فئة تحوز على الثروة  والسلطة مقابل فئات يفتك بها الجوع والجهل والفقر، إلى جانب الاعتقال والموت وتكميم الأفواه، فخسران أعضاء الجسد نتيجة الحرب كانت ثمناً باهظاً لقاء تأمين قيمة التضحية وإخراجها كقيمة لغوية ونقلها للواقع المعيش، وذلك بحد ذاته مثّل تفوقاً روحياً إلى جانب التفوق المادي، فسليم الأعمى المرتبط بمدينة كوباني يؤكد مراراً ان علاقته بالمدينة ليست علاقة بصرية حسية كونه أعمى وإنما هي علاقة روحية محضة، تربطه بأجزاء المكان وضجيج الناس في مدينته التي. هي مسقط رأسه وروحه
قصة ارتباط المعرفي بوجوده الوطني تجسدها الروايات والملاحم القديمة تاريخياً وهي حديث عضوي في الفلسفات، لهذا فتسليط الضوء عليها يعد قوام العمل الإبداعي الروائي، ويعطي للمتلقي باعثاً على اليقظة الروحية المرتبطة بقضايا الأرض  والدفاع عن التنوع والخصوصية لمجتمعات متعددة الأعراق والاتجاهات والمشارب، الحرب المدافعة عن الديمقراطية والمساواة حرب محقة ومهمة ولا تتم بمعزل عن التوثيق الأدبي والفني والموسيقي، فالموت بالنسبة للعاشق هو بعده عن موطنه وحبيبته، وهو أحد أشكال الموت الأكثر استنزافاً لروح الفرد، فلن يستطيع بالتأكيد صنع وطن في المنفى وإن كان الوجود واحد والمعركة واحدة، إلا أن للجغرافية خصوصية روحية لدى الفرد المبدع بصورة خاصة، فالمنفى هو اقتلاع المرء من منبته، اقتلاع بذرة تنمو في أرض خصبة ونقلها لمكان آخر غير موطنها ومناخها، فقد تنمو أو لا  تنمو وقد يختلف طعمها إن أثمرت، وهذا يفسر وجود بعض الزراعات في بيئه دون أخرى، وكذلك ينطبق ذلك على المرهفين، إذ ليس بالضرورة أن ينتجوا خارج بيئاتهم وإن كانت القارة العجوز مثالاً أوروبا تتمتع ببيئة آمنة وداعمة لإبداع المعرفي الشرق أوسطي ، إلا أنها لن تستطيع تحقيق الراحة الروحية له والشعور بالارتياح الاجتماعي، كون الفرد يعيش في محيط غير محيطه، إذن في تلك الحرب الداخلية ، يولد تخوف طبيعي أن تفرض الهجرة على الكثيرين إلى جانب الموت في جبهات القتال، خسارة أكثر من إحدى عشر ألف شهيد في معارك أبناء غربي كوردستان ضد تنظيم الدولة الإسلامية الممولة تركياً وفطرياً، وهذا العدد يعتبر صادماَ ناهيك عن النزوح باتجاه الشمال الغني،  وكذلك اللجوء للدول المجاورة وخاصة اقليم كوردستان العراق، فاتورة تلك الحرب الداخلية ولثمان سنوات باهظة ومؤلمة عدا خراب البنية التحتية جراء ضرب المدن، آخرها كان احتلال مدينة عفرين وريفها، وكري سبي تل أبيض، وسري كانيه رأس العين 10 من قبل الإحتلال التركي ومرتزقته، ممن أطلقوا على أنفسهم المعارضة السورية بهيكليتها  الأخوانية، لن تستطيع الرواية أن تتناول أبعاد المعضلة من كافة الجوانب عدا الجانب الإنساني المتصل بنوازع ووجدان المجتمع، ومآلات التدمير على النفسية والحياة الطبيعية للمجتمع، بيئة غير آمنة تكتظ بالجثث ورائحة الدماء ، والألغام والدور الخربة ، الأبنية التي باتت مقرات للقناصة والجدران المتداعية التي تحولت لدهاليز عبور المقاتلين من ضفة لأخرى، بيئة تعج بالأمراض وذلك مرده إلى حالة الاضطراب المتكررة بين حين وآخر والتأهب النفسي الدائم لنزوح على الأبواب، أو عملية عسكرية تركية وشيكة، مستقبل. غامض ، وأزمة إنسانية جلية أمام أنظار العالم وكاميراته
إن ضريبة التوسع والسيطرة على الموارد بفعل ضعف سيطرة المركز على الأرض،  هي تهجير الألوف وتوطين آخرين، وتبديل السكان المحليين بآخرين وافدين، حتماً ذلك يعود بالفائدة على الجهة المصدرة لأزماتها الداخلية للخارج،  وتدار تلك الحروب بالوكالة من قبل الدول المجاورة لسوريا  وعبر سكانها المحليين المغرر بهم إلى جانب تدفق الأجانب من كل صقع،  كما حدث إبان الحرب الأهلية الاسبانية سنة 19361939 فكان هتلر 11 وقتها قد اتخذ من اسبانيا ساحة لتجريب أسلحته كما يحدث في سوريا حيث لم يتوقف سوق السلاح ولم تتوقف مصادر توريده  سواء كانت من روسيا أم إيران أم تركيا  أو أمريكا  ، أو كما حدث في اليونان 19441949 حيث استخدمت كل من ألمانيا وبريطانيا وكلاءهما من شعب اليونان  وحصدت الحرب الأهلية حينها آلاف الضحايا، حيث تفقد الأفكار والإيديولوجيات تأثيرها وأهميتها مالم تأتي الظروف الحالكة وتنزع فتيلها لتشعل بها الجماهير عبرها أرواحها وتبث هممها ، فالحديث عن الإيديولوجية مجدٍ حين يستهدفها أكثر الناس تضرراً من الحرب، فالرواية الوطنية تقف على مسالك وعرة تحاول ارتداء الوجوه والملامح والأفكار وآثار الخراب والازدهار المأمول، لتنهض بكل أشكال الجمال والدمامة وتخرجها بلبوس فني ، هنا يمكن أن يتصافى الفن مع الإبداع الفكري، وتحلق طيور النقد خارج السرب المألوف، كي تقبض على الفكرة النيرة وتنسخ منها على شاكلتها لترتب بها تفاصيل الهم الإنساني وتحيل الهواجس إلى نحول، حيث تسعف الأفكار تلك اللغة القادرة على حملها بيسر،  يخيل للمرء أن الشخوص يعيشون تلك العزلة النفسية على حدة، لكن في لغة السرد الأدبي نلحظ أن النماذج المعنية بسبرها كلها تغدو على طاولة التشخيص والمنهج النفسي هنا يكفل لنا فهم الطبيعة الفردية وميلها للشاعرية والانطواء إثر كل حادثة يموت عبرها آخرون ، يكون لون الإنسان إزاءها مخطوفاً، يعم الشحوب في أروقة النفس، وتخطو الكتابة النفسية خطواتها الأولى لمعرفة الكوامن وما تحويها من غصص وأسرار تخص كيفية التعامل مع الحدث في أول نشوبه،  حيث لابد من وجود عقيدة فلسفية تقف بالضد من مشروع الإسلام السياسي  بشقيه المذهبيين، فكانت تلك  العقيدة مستوحاة من فكر منظومة كوردستانية  لها باع في الصراع الوجودي لأجل كوردستان واسمها الأمة الديمقراطية،  التي وضعها  أوجلان،  ظهرت على غرار  النظرية الماركسية،  مع عدم نفينا أن تكون تقليداً  للاشتراكية   إلا أن حرصها على الظهور بطريقة مغايرة ومعاصرة كفيلة أن تكون نداً للمشروع الأردوغاني مع تفاوت أكيد في القدرات التكنولوجية والمادية، بين القوتين، فالذي يدفع الجهادي ليفجر نفسه ويقطع رؤوس أعداءه ويسبي نساءها هو تأثير العاطفة وغريزتي الغضب والجنس، واللتين تجعلانه يهرول كالثور خلف الرداء الأحمر،  حيث تعطيل العقل وإغفاله يعني المسير دون عينين والانقياد للعنف دون إدراك ، بفداحة القتل، يفسر

. حاجة صناع الموت لمغفلين وبلهاء يكونون وقوداً لأجل مصالحها ومنافعها البعيدة
كيف يتعايش المرء مع الفقد؟، كيف يظل يقاسي ولا يهدأ، وهل باستطاعة الرواية إيصال صوت الألم من فوهة الكلمات للآخرين مهما تعددت الأساليب المؤثرة، وبرع المؤلف في رصد شحوب من فقدوا ضروريات وجوهم المتمثلة ببصره وزوجته ، البصر ، فقد الزوجة، الهرم، ثلاث أشياء تشجع الموت في الاقتراب من الإنسان، يعمد القلم في تفحص مكامن اللذة التي تحتوي الألم لما لها من مكانة في الذهن الإنساني المتذوق والمتتبع للعالم المنسوج في الرواية، كيف تقوم بصنع الأعمدة والجسور للواقع المعيش ، وذلك بصنع واقع فني بديل ، تأنس في سبره الأرواح وتستقيم عبره الأذواق ، فالمرأة بالنسبة للرجل عمود المنزل، وبفقد الزوجة، يترقب الرجل الهرم أفوله لا أكثر، ببحثه عن المرأة فإنه يقوم بإبعاد شبح الموت عن طريقه، فالعزلة تعني انتظار الفناء، سليم الأعمى يترقب أن يحل الدفء والأنس في حياته ، كي لا يحس بالهامشية ، ويدفعه هذا الإحساس لمزيد من الإنطواء والكآبة،يعتبر التحدث عن الماضي ومحاولات استحضاره إنكاراً للحدث الأليم وتغاضياً عن الغد الموجع الذي يتخلله المزيد من الانتظار وضعف التأقلم وعدم المقدرة في تجاوز المراحل، إلا أن ذلك لا يعتبر شيئاً جديداً ، فلطالما يموت الكثيرون ويولد بعددهم مراراً، تلك دورة الحياة والفصول تسير على الكائنات بأسرها، إلا أن الموت الناتج عن الحرب هو الأكثر فداحة وضرراً على النفسية الاجتماعية، إنها تفتك بالداخل ، وتنتهك الأرواح ، وتلقيها على مسارح الصمت والشجن، فتمعن في إغراقها بويلات الماضي والأحداث الغابرة، آلام يصعب تجاوزها بيسر، تلقي بظلالها بثقل فينوء الكاهل عن حملها، وتصبح الأعماق كهفاً مهجوراً سوى بأطياف الموتى ونداءاتهم البارزة في اللاوعي والراقدة في الداخل ،حيث يعتبر الدين بمثابة المظلة العامة الوادعة التي يلتف الناس حولها على نحو مسالم وغير عدواني، حيث تحل الأوهام والأساطير الدينية في عقول الناس الذين لم يتسنى لهم الوقت بحكم ظروفهم إلا الاعتكاف على القراءة والبحث وتكريس النفس للمعرفة، فمن الطبيعي أن ينجذبوا للدين على نحو فطري دون أن يتمكنوا من قراءة كتابه جيداً، وإنما يمارسون تقربهم من الله على نحو عفوي ودون منهجية، لا يميلون للعنف وليس لديهم مشكلة مع الآخرين، إذ بإمكانهم التأقلم سريعاً كونهم لا يتعاطفون مع قناعاتهم الطبيعية على أنها إيديولوجية  سياسية وطريقة تسوغ لهم العنف مقارنة مع البيئات العنيفة، فالذين نمى لديهم الدين بطريقة عنفية ، حالت دون أن يتأقلموا مع غيرهم مما يفسر استطاعة داعش أن تحتل بيسر المناطق ذات المكون العربي بيسر كون هنالك حاضنة شعبية لهم وأساس استعداءي يجعلهم قادرين على تشرب العنف واحتواء فكر القاعدة الجهادي، لهذا فهنالك فارق بين التدين الكوردستاني والتدين العربي ، فأحدهما فطري غير مؤدلج والآخر عنفي مؤدلج مقترن في السلوك والتمايز بين المحيطين، ليتشظى ذلك التدين إلى فئة تحارب التطرف وأخرى تنتجه وتحتضنه، إلا أن التطرف الديني لا حليف له ولا حاضنة حقيقية كونه يعتمد على ترويج القتل وتمجيده وإرغام الناس على رؤية مشهد قطع للرؤوس وبتر للأعضاء وصلب للبعض،  كي يتم نشر الرعب والدماء وتلقين الجماهير على نحو فظ ومباشر للخوف باعتباره الوسيلة الأفضل لكبح جماح الناس وإلزامها بالخضوع إلى أمد، فالإرهاب يستمد فعاليته من منطق الإسلام السياسي التاريخي الذي ظهر في عصور مختلفة اتخذ منه الساسة السلطويون بالتحالف مع رجال الاقتصاد كوسيلة افتعال للأزمات  وتطويع النصوص الدينية لمآربهم بغية زج العقل الفردي في المعتقل وإلزامه على الصمت إكراهاً بل والضغط على الفرد ليكون جزءاً مشاركاً في عملية الإرهاب، وهكذا يتم خلق الصراع ليستفيد منه الكبار ممن أرادوا ان تكون رقعة

. الشرق الأوسط ميداناَ لتبديل الخرائط وكسر الرؤوس المرفوعة في الهواء
الحرب الناشبة في سوريا حالت كل رقعة جغرافيا إلى ساحة تنافس وصراع نفوذ روسي أمريكي تركي إيراني، وبذلك لم يتعظ العالم المتمدن من تجارب الحروب السابقة التي أفضت إلى قتل ملايين البشر وتدمير بنى بلدانهم التحتية، وتشريد ملايين آخرين، ولعل الحروب بالوكالة تعد الأسوأ على الصعيد الإنساني، وهكذا فطبيعة الصراع وأدواته محكومة أيضاً بأن تتغير ، حين يتعلم المجتمع مدى حاجته للظهور بمتانة في مسرح الأحداث ، إن صناعة الواقع الأفضل عملية معقدة وصعبة وتحتاج لهذا التكاتف والتشارك المصيري في البروز الأقوى مقابل الغزو الوحشي الذي تتعرض له، ليتبين لنا تصارع قوتين إحداها ماضوية غارقة في بطون التاريخ وهدفها إعادة التاريخ المتغطرس لدفة الحاضر وعبر الإجرام ، والأخرى متشبثة بقيمها المستقاة من التعايش السلمي وعشق الحياة،
رائحة الانعتاق من العبودية تتعزز بقيم الانفتاح المجتمعي على بعضه بعضاً في حقبة الحرب الداخلية المتجلية في التفاف الأفراد حول مصائرهم والذود عنها،   وتتجلى أولى نزعات البروز للأمام من خلال الخروج عن نظام الدولة القمعية، والخروج بمظهر المنتفض ، لكن ليس بنمط عفوي وفوضوي، بل بطريقة منظمة وقادرة على تحويل الحراك إلى حالة راقية معرفية، ونبذ نظرية الحاكم المطلق أو السلطة الشمولية العاقرة والتي لا تنجب إلا الفوضى والدمار ،وهكذا تنهض التجارب الإنسانية في ظل النزاع لتتحول المجموعات المؤمنة بالتغيير لنواة إصلاح ، ويتعزز ذلك من خلال نزع فتيل ،  الخوف من قلب المجتمع، بزرع الثقة في ذات الفرد واعتباره محوراً صحيحاً يمكن الاعتماد عليه في التغيير والبناء ـ

ومما لاشك فيه فإن الانتفاضة تتخللها مراحل تتضمن كبوات وانجازات تصب في النهاية لصالح المجتمع، مهما دفع من فاتورة باهظة في سبيل الاعتياد على التصادم مع قوى الغطرسة والجمود، لا بد من تطوير مفهوم الثورية وإلا كانت وسيلة لاجترار سلطة أكثر رعباً، فمعظم الاشتراكيين الذين تبجحوا بمفهوم الثورة ، تسلقوا على رغيف خبز الشعوب وسطوا على أحلامها في الدمقرطة والحريات، فأنتج أرباب الثورة ، مجلس قيادة الثورة (صدام حسين)15 و أتوا  بعد انقلابات حافظ الأسدواضطهدوا المعرفيين وزجوا الجماهير في عزلة خانقة القذافيإن حصاد الاشتراكية الثورية في الشرق الأوسط بائس، لهذا نجد أن غربي كوردستان يمر بمخاضات جمة يسودها القلق من التهديد الخارجي، والانقسام الداخلي الكوردستاني بين معتد بتجديد التركة الاشتراكية ، وبين مرتهن لقرارات الاستخبارات التركية، ولا نجد ضوء يلوح في الأفق، لربما يسنح الضغط الدولي الأوروبي الأمريكي لميلاد تجربة غربي كوردستان على غرار جنوبها الفيدرالي الهزيل، حيث أن أعظم الثورات تتمثل في تحطيم صورة الإله الدموي في  تنظيم الدولة الإسلامية، وكذلك  عبر مناهضة معقلي الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي والمتمثل في دولتي تركيا وإيران، ذلك لا يقع على عاتق الكورد وحدهم وإن كانوا رأس حربة التحالف الدولي في الشرق الأوسط، وإنما أيضاً شعوب المنطقة التي عانت تاريخياً من العثمانية والصفوية وذاقت سياط العبودية مراراً على يدها، حيث ها هي اليوم تنشب مخالبها بتوحش في كل مكان،  بكل أحلام المجتمع ورغبته في رؤية هيكلية أفضل لحياته ، تخلصه من واقع الاستبداد القوموي، يبدأ المضي بلا توقف، لأجل تحقيق هذا الهدف، إن تحول العالم لقرية صغيرة بفضل عبقرية المعرفيين التقنية، تساعد على نقل كل شيء أمام أعين العالم عبر الكاميرا ووكالات الإعلام المتعددة، ولا شك أن ذلك يحدث بالتزامن مع الثورات الذهنية والقفزات النوعية ، فلا مجال للقوالب الشمولية إلا ان تنكسر أمام انفتاح العالم على بعضه بعضاً، المعرفيون عولميون في روحهم ونظرتهم للحياة، وتنظيمهم يخلق عهداً جديداً من تبدل الخرائط والمفاهيم ، إنهم الآن على الطريق الصحيح في تدمير الوثن الحزبي والشمولي ووقف استشراش الرأسمالية المطلقة،على  الرغم من أن العالم قرية صغيرة إلا أنه ثمة من يغرد خارج سربها، فيندفع بخياله التاريخي لرؤية امبراطوريات دينية وأخرى قومية، غير آبه بالواقع الذي ينزع للأمان والحياة الأفضل، فيجيش العواطف العنصرية إعلامياً ويحيي خطاب الكراهية، أما شيوخ الفتاوي فقد أسرفوا في الإمعان في غسل أدمغة القاصرين والفئات المعانية للفقر والبطالة، وأخذت تمعن في زجهم في معارك دموية وحشية، إلى جانب انتشار بيع السلاح من قبل الدول الكبرى كروسيا وأمريكا وألمانيا، غير آبهة بالكوكب الذي يعيش عليه ملايين البشر، إنها نتائج انعدام المسؤولية الأخلاقية لهذه الدول في تسويق الدمار والاستفادة من أزمات. الشعوب بغية إشباع جشعها الربحي،   فالعبودية ليست قدراً وإنما تحدٍ يقف بوجه الإنسان المعرفي ، الواهب المنتمي للوجود وبعناده الفكري وتجاوزه للحواجز فإنه يبصر وجوده نوعياً مختلفاً وفاعلاً ضمن المحيط الاجتماعي الذي ينتمي إليه، هذا الإيمان بالمعرفة والحب يرفع النفس ويجعلها في منأى عن الضياع والاغتراب،  إن الانتصار على الوهم والعبودية يمثل مرحلة تشافي قصوى، تمكن الموجود الفاعل من التحرك بيسر ومواجهة الظروف الصعبة، تجعله يتجاوز ويرتقي دون أن يحيد عن الأخلاق المقترنة بالمعرفة ، كون القيم تشغل مساحة عميقة ورحبة داخل النفس الإنسانية وتجعلها قادرة على إتمام مهامها في التنوير والتنمية العميقة للآخرين الساعين للانعتاق من أسر الذات للذات،  ومما لاشك فيه فإن النظام السياسي الاستبدادي هو من يجعل النفاق والبؤس والكراهية ألواناً تشوه روح المجتمع التائق للحياة الجيدة، والرفاهية المنشودة، وعليه فإن الانتصار الحق كامن في التماهي مع الجماليات، لتصبح جزء من كينونة الفرد الفاعل والمؤثر، مما تنفتح الآفاق. شيئاً فشيئاً على عملية الخلق والإبداع وفهم الحياة، فغياب الحضارة والتنافس المعرفي كان بسبب هذا اللهث الربحي والتفسخ القيمي، الذي جعل نداء العقل الإنساني يغرب لصالح هذا التوحش الرأسمالي الفظ ، والذي أربك معالم الحياة المجتمعية وجعلها مجتمعات مهددة أبداً بالتفكك والتفتت، وتحولها إلى وقود ارتزاقية خدمة لحسابات الدول الإقليمية ، فالمسرح البشري الكوردستاني يعج بفوضى متباينة رغم وجود تيار البناء والفداء الذي يحاول المضي بالمجتمع لتحقيق تطلعاته في العيش الأفضل،  على الرغم من جوقة المنهزمين المنتصرين بالكلام والشاحذين للهمم بالشعارات، لهذا نجد الثورات في عالمنا مفرخة للطغاة والفاسدين، إن خيار العدميين أن يموتوا كالأشجار اليابسة غير المثمرة، وأن يقفوا حجر عثرة بوجه التغيير والأفكار الجديدة المناهضة لأفكارهم الرثة

. وخياراتهم الكلاسيكية

، تعاد رسم الخرائط في المنطقة، وحينها لابد من أن تتغير التركيبة الديمغرافية ، وتصبح الحياة مضطربة، والمجتمع محتم عليه أن يجابه وينظم نفسه احتراساً من أمواج التغيير الديمغرافي ووجود عداء اقليمي  بائن لشعب كوردستان يفرض عليه التوحد، لكن ليس بوجود زعامات روحية تضع برامجها الإيديولوجية الحزبية على حساب الأمن الكوردستاني الاستراتيجي، إلا أن المعركة ضد التنظيم المتطرف ، رجحت خيار المواجهة الميدانية بدلاً من الإنشغال بترتيب البيت الداخلي، حيث يصور حليم يوسف التناقضات والحيرة المتشعبة في صفوف الناس، إزاء توغل الجماعات الجهادية المندفعة داخل المدينة، والتي  راحت تسن سيوفها لقطع الرؤوس دون رحمة، في كل زاوية وشارع وحي وقرية، راحت تدمر كل ما تصادفه، وفي تلك الظروف يقوم الناس بمختلف شرائحهم وأعمارهم بتجنيد أنفسهم لأجل مجابهة هذه الحرب الشرسة، حيث استعد الآلاف لمواجهة هذه الهجمة الغادرة ، والبعض التزم بالتشبث بتراب الأرض على أن يخرج منها، حمل السلاح والانضمام للقوات بات واجباً مقدساً، والتمسك بغريزة البقاء والملكية تحتم على الناس أن تتشارك في معركة الدفاع، ففي هذه الحالة لا شيء يلوح في الأفق سوى ما يتعلق بصون الحياة وضمان البقاء والملكية، يلتقي الطرفان ليحملان في داخلهما ايديولوجية ، أحدها توسعية تاريخية ترى في الدين وإعادة إحياءه  سياسياً واجباً حتمياً يستدعي تدمير كل مخالف لها، والأخرى تحارب لأجل الأرض والوجودية المهددة تاريخياً بالانقراض والاندثار، ويتعلق ذلك بوجود الكورد كمكون قديم في الشرق الأوسط،  فإحياء العسكرة الإسلامية يعني بروزاً للإسلام الجهادي كونه وسيلة أفضل لخلط الأوراق والتحكم بالموارد المائية والنفطية، فالعثمانية الأردوغانية تم تثبيتها بعد أن  برز تنظيم الدولة الإسلامية  وتوسع  وانتشر بسرعة وكذلك  أصبحت المعارضة السورية طعماً سهلاً للأسلمة الأردوغانية المفروضة عليها إلى جانب استفادة إيران منها ودعمها لشيطنة المكون السني واستهدافه طائفياً وبصورة مباشرة من خلال داعش الذي لم يستهدف الشيعة أو عناصر النظام السوري وإنما استهدف العرب السنة وحدهم، وكذلك تم توجيهه بدهاء نحو المناطق الكوردية في كل من جنوب كوردستان العراق ، وغربي كوردستان سوريا، وكذلك استهداف الكورد الإيزيديين في شنكال، وهكذا ظهر داعش كعامل أساسي  لرسم معالم جديدة للشرق الأوسط الجديد، بصعود كوردستاني غير مسبوق كرادع أساسي وحليف قوي للتحالف الدولي في عملياته ضد داعش، بعد معركة تحرير كوباني على وجه التحديد، لهذا سلط الكاتب حليم يوسف النظر على

 البسالة الجماهيرية ، عمد إلى تصوير البطولات الفردية باعتبارها المعادل الأساسي للتفوق الروحي لشعب غربي كوردستان
ترسم هذه الخرائط بالدماء دون أن يكون في حساب اللاعبين الكبار خراب المدن وخسارة الشريحة الشابة، فيكون إنهاء حرب داعش مقابل 11 ألف شهيد ، ويكون ثمن عفرين  مقابل الغوطة، ويكون سري كانيه وكري سبي مقابل إدلب، وهكذا تقسم مناطق النفوذ ويكون على اللاعبين الصغار تنفيذ السيناريو دون نقاش،   وتلعب الدول الكبيرة لعبتها بواسطة القوى المحلية لتخوض حروباً بالوكالة، عرضها الحصول على المكاسب والامتيازات في دولة مصطنعة كسوريا التي باتت ميداناً راهناً  لتصفية الحسابات، ذلك التنافس الدولي لا يتم إلا في دول منهكة مفتتة، وهذا المد التركي الإيراني ، يكشف عن تنافس متصاعد فيما بينهما، توجهها إليه كل من روسيا وأمريكا، وهكذا تغدو  هذه الحروب رائجة في سوريا ، العراق ، اليمن، ليبيا، والصومال، ولبنان، ويتم  تقاسم النفوذ وعبرها تنمو ظاهرة النزوح والهرب  من الجحيم الدائر، فالأزمات السلطوية باتت جلية، والانهيار الاقتصادي يطل كشبح مخيف بات النتيجة المعلنة  والتي  تعد وسيلة استكمال  تنفيذ المآرب الدولية الذي هو نهاية المطاف بعد تفتيت المجتمع وإحداث الشروخ العميقة  فبعد نموذج الدولة المخابراتية، حدث التفتيت والانهيار  وإذكاء الفوضى لضمان الهيمنة والقدرة الدائمة على التحكم، ويكون  على المجتمع المسحوق فيما إن أراد البقاء أن يقف بمواجهة الفساد والاستبداد المافيوي الذي ستمارسه السلطات الوليدة عن تفسخ الدولة  وانهيارها غير المعلن، نجد القرابين البشرية تتوالى والنزوح يستمر، والعجز الاقتصادي يطل كشبح مخيف، ويصبح اللهث خلف الصراع شيئاً ليس بالإمكان إيقافه،  فالدول الاقتصادية لا يمكنها إخماد جشعها ورغبتها في توسيع نفوذها، لهذا فالذي يشعل النار لن يكون بمقدوره إطفاءها في أي وقت يريد، لهذا أصبح لزاماً على الدول الراعية للفوضى والأزمات في أن تمضي في طريقها ولعب أدوراها دون تراجع، ووعي الكوردستاني بقضيته أصبح أمتن من أي وقت مضى ، ولا تنهض الأمم مالم تتجاوز تلك التحديات المفروضة على وجودها، ولكي تبقى ويكتب لها الانبعاث فإنه ينبغي لها أن تستشرس في الدفاع عن مقدساتها وتحتل الجانب الأبلغ في رحلة الصراع

. نحو الأفضل عسكرياً وفكرياً وقومياً
إن التأمل في جوهر الصراع النفسي الذي يعتمل النفس الإنسانية يجعلنا نشهد صراع المتناقضات المتعلقة بالمزاج والعاطفة ، ناهيك عن الأفكار المحتدمة في العقل، كل ذلك يسهم تحديداً في رسم مسار الفرد وتحولاته السلوكية بوجود العائق في كل مكان، ففهم السلوك يندرج في إطار العوائد المستقاة عن البيئة وتعامل الفرد مع المحيط، استناداً لجملة

المؤثرات الاجتماعية
إن محاربة الإرهاب يعتبر عملاً صعباً يمتاز بجسامته وخطورته واستنزافه للموارد والبنى الفوقية والتحتية للمجتمع ، وبالنظر للمجتمع الكوردستاني ، نجده منهكاً بفعل عوامل الإبادة الثقافية والجسدية الممارسة عليه من قبل الحكومات القمعية القومية، ولديه وظيفة أكبر من إمكاناته ، تتمثل في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية ، ومدى قدرة الأخيرة في مخاطبة العقول بخطاب تاريخي إسلامي يجعل الجماهير المحقونة بإبر التدين التقليدي تلبي هذا النداء مستجمعة كل الشرور والجنون الكامن في نفوسها،   فكما قال  أرماندو تورنو 17 في كتابه أخلاقية العنف ص19 : “ أن الإنسان هو الحيوان الوحيد  باستثناء الفئران وبعض الحشرات الاجتماعية،  الذي يقتل بني جنسه بانتظام،  ووفقاً لآراء بعض الانثربولوجيين ،

لقد أصبح الإنسان سيد كل الحيوانات لأنه قاتل قبل كل شيء
هنا نجد جانباً آخراً من تعريف ليس بجديد يتسم به الإنسان، بكونه مجبول على الاستياء والغيرة، حيث يحاول الظهور التسيد بين المحيط الاجتماعي بأي شكل، لهذا يتخذ العنف والإيديولوجية وسيلتين للهيمنة وإنشاء النظام الخاص به،  بل إنه يتصف باللاتسامح حينما يصل لمبتغاه فيحارب كل الأصوات المختلفة عن رؤاه وتوجهاته باعتبارها نشازاً حسب اعتقاده ووجهته،لتهديد دول وشل اقتصاداتها واستنزافها وكذلك تعمل على تحويل الكراهية لمذهب حياة  ، الأمر الذي يضمن وفرة معامل السلاح والاستفادة من بيعه ، حيث  تقوم أمريكا، روسيا ، الصين وألمانيا وفرنسا بتصدير السلاح وتصنيعه عالمياً ،  الأمر الذي يشير إلى أنه لابد من وجود بؤر عنف مستدامة كي  تتمكن تلك الدول من الاستفادة مادياً،   حيث لا تأبه لا بالقيم ولا بالأخلاق فالمنفعة المادية أولاً، ولا معنى للإنسانية إلا في الأدبيات التي آمن بها المعرفيون عبر توالي العصور ، حيث ذلك السد المنيع الفاصل بين قيم الإبداع الأخلاقية وذلك الجشع السلطوي المنحاز للعنف والوحشية المتجددة ،فكلما أراد المعرفي المفكر أو الفنان أو الصانع تشييد الجسور بين الثقافات والأمام ، قامت السلطات عكس ذلك بهدمها وتقويض الروح الحضارية القائمة في الوجود ،

. ولعل أول أثر للحضارة الإبداعية يتمثل بهندسة الوجود الماثل أمام نظرنا

 

:جدلية الحب والحرب *

 

 شكل مجيء البيشمركة لمساندة قوات الحماية الشعبية مرموزاً لقيمة الاتحاد الكوردستاني والذي تم أثناء التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية إبان محاولته لانتزاع كوباني وفرض سيطرتها عليه،ففهم النفسية الاجتماعية وكيفية فهمها لإدارة الأزمات الإنسانية واحتواءها للفظائع والكوارث الناجمة عن الحروب بالوكالة، تلك الحرب تقف كتحدٍ وعائق أمام ممارسة الحياة الاعتيادية، وتجعل المرء يوغل أكثر في التمعن بالموت ، إذ في فقد المقربين تنبثق حكمة ما، تتعلق بفهم قيمة الحياة والعيش فيها وكذلك قيمة التفاهم مع البشر لما يعتري الوجود من صدف ومفاجآت تغير المصائر والعقول وتفتح الأذهان، إذ أن الحدث  يصنع الرأي مع تقادم الزمن،إذ كلما تكالبت العوائق والصعوبات نزع الإنسان إلى التفكر والتدبر في شؤونه وكذلك يبدأ الخوف ولوجه لداخله وبمعزل عن الخوف هنا ذلك الحب المؤكد للرهبة والمقاومة ودفع الخطر وبذل الجهد لفهم طريقة العيش، أحاديث المقاتلات والمقاتلين تكشف لنا عن سذاجة الفكر الجاهدي وعته الدماغ الباعث على الصدمة والدعابة معاً، هنا يتجلى غسيل الدماغ وحشو ذلك العقل البليد بمحفزات الخطاب الديني المتطرف ، كي يخرج الفرد بعدها وحشاً بهيئة تكاد تشبه البشر، ووفق ذلك القالب ثمة الكثير ممن يرمزون لاتساع الشرور معبئين بالتطرف ، يقادون كالنعاج والحيوانات الشاردة ليكونوا أداة لتغيير الخرائط والنظم ومسرحاً لتصفية

. حسابات الكبار
إنها الحرب تنهش الحب وتثكل العشاق، ثم تجعل منهم فتات يقتات منها المجتمع أشعاراً ، أغان وروايات،  هؤلاء التاريخيين وبكامل أحقادهم وذخيرتهم السامة من بلاغة وتفقه في نص القداسة أخذوا يطبقون حرفياً ما أوتي في القرآن تبعاً لفهمهم وقطبهم المتجدد، وينشرون الويل والفزع حيثما ولوا الأدبار،  نلحظ أن التطرف يندفع لمحاولة قتل الحياة ومعنى التعايش وحس المسالمة بين المجتمع، هذا التطرف الديني الذي جسده الكاتب في إطار حديث المقاتلين الكورد عنه يأتي في إطار التهكم والسخرية لمستويات التفكير لدى الجهاديين، ممن يهربون إن سمعوا مثلاً زغردة امرأة مقاتلة، لاعتقادهم أنهم سيخسرون الجنة إن قتلوا بيد امرأة، يبين لنا هنا ذلك التمايز بين فكر دفاعي وآخر أتى من ظلمات التاريخ الوحشي،  وهنا تصبح السياسة وسيلة لاجترار العنف وتهديد البشر الآمنين،  هذا الميراث الديني السياسي يتسم بغناه وقوته البلاغية وإفحامه في الخطاب الذي هو مزيج من تحريض على العنف والبلاغة المتحكرة للفضيلة والمعبرة عن التوجه للحرب بأن من يحارب هو وكيل لله ومعتمد في نشر تعاليمه الموجودة في القرآن، ليس الكتاب فحسب إنما كبار الأئمة الذين يرون في الجهاد وتطبيق الشريعة بالقوة وسيلة مقدسة ولابد منها لنشر الإسلام كما كان السلف يفعل ذلك وكان بذلك قد وصل للعديد من البلدان واصفاً غزوها بالفتح، فارتباط القداسة بالعنف يعتبر أصلاً للشرور، هذا الإيمان الأعمى وضع العقل في معتقل، وألبسه عباءة الظلامية الدموية، والسبات الثقيل ، حيث يعتبر الدفاع عن قيم البقاء والتعايش المجتمعي ردة فعل ممنهجة وهامة بوجه التاريخيين، كون ذلك موضوعاً للرواية الوطنية المجسدة لكفاح المجتمع في التخلص من الهيمنة السلطوية والدينية في آن معاً،  فترسيخ الوعي الرادع للظلامية الإسلاموية بالغ الأهمية ويغلق الطريق بوجه أسلمة المجتمع وضياعه في التاريخ ، من حيث انغماسه في

. الطقوس التي قادت العقول إلى الخواء والانغماس في الأسر والتبعية،
المعركة مع المتطرفين ليست بالأمر السهل، الاستيلاء على قلب المدينة بعد معارك طاحنة ، رسمت ملامح صراع جديد، يتسم بنصر أصحاب الأرض، وتجديد ارتباطهم بوطنهم وتسابق الفتيان لنيل الشهادة لما لها من رمزية هامة في حياة الشعوب استناداً لمثل كوردي شعبي، الثور يموت ، الجلد يموت، الرجل يموت والاسم يبقى ان انتزاع وسام القيم يعتبر هدفاً قيّماً ، يضعه المدافعون عن البلاد نصب أعينهم ويجدون في تحصيله سعادة داخلية، ونشوة تضاهي النصر، إذ في التاريخ أقاويل وتفاسير لا تصلح كوسيلة لمعرفة الحقبة أكثر من الآداب الإنسانية وأخصها الرواية، فهي تقدم أرواحاً، أحاسيساً، أفكاراً ، نجت بحكم الفن من أسر الارتهان السياسي والانتفاع الايديولوجي ،
حيث لا فلسفة في شيء يتقدس ، يتحنط ويصبح وسيلة لتقويض انتماءات وأفكار الآخرين بدلاً من تنميتها،   ويتغذى العنف من المقدس الذي يتماهى به المعتنق حد ألا ير سوى عقيدته ، وهنا تكمن نقطة الخطر، في ألا يميز المرء بين انتماءه وانتماءات الآخرين، ويرى من إيمانياته سواطيراً تعادي ، وتنحر، هذا ما يدور في فلك دماغ الجهادي، فما يدور في أروقة ذهنه هو النزوع للتاريخ الوحشي وطرق التعذيب  وتسخير العقيدة الدينية خدمة للتوسع والهيمنة على المقدرات والموارد،  فالإنغماس في التراث أربك الفعالية الفكرية لدى الجهادي، وقادته إلى التقوقع والاستسلام للهلوسات والهذيانات الدينية  واضعاً نصب عينيه  الموت لأجل لقاء الجنة والحوريات ، وقتال كل معادٍ أو مختلف بوصفه مشركاً أو مرتداً، هذا الخطاب طغى على الجانب الآخر من الفكر الاشتراكي الثوري، الذي يتماهى خطابه ببعض جوانب طقوس الخطاب الديني، إذ أنه يعتمد على غسل الأدمغة والتركيز على الفئة القاصرة من الشباب، إلى جانب إضفاء القداسة على القائد واعتباره مهدياً منتظراً،  فالواقع القبلي يجعل من المجتمع متأهباً أبداً لحدوث طفرات في حياته على الصعيد  الحياتي، لكن على صعيد الأفكار لن تكون الطفرات الفكرية إلا محدودة بوجود سلطة سياسية تلجم فكر الفرد وتلزمه على أن يقول ما تريده وليس  ما يريده، هنا تتكاثر العقول المدجنة وتتناقص الإدراكات المميزة،فإبراز البطولات الجماهيرية يذكي ذلك الوعي القومي الإنساني ، والتأكيد على كفاح شعب كوردستان الغربية والجنوبية بمواجهة التطرف الإسلامي له أهمية عالمية، إذ أن مكافحة الإرهاب من بوابة الوطن المغتصب أعطى القضية الكوردية بعداً سامقاً بارزاً، أجج عبرها مشاعر الكراهية والبغض من جانب الأتراك ، إذ تمحورت السياسة التركية بمواجهة هذا التألق البارز للقضية، ومسألة الديمقراطية والانفتاح على الحريات، ذلك أحرج سياسة الدول الاقليمية وجعلها في حالة فرزع وهياج، فأخذت تنظر إلى لمعان القضية عبر مكافحتها للإرهاب العابر للحدود، بعين القلق والجدية، لهذت فإن توثيق تلك البطولات وتثبيتها في ذهنية المتلقي الشرق أوسطي عموماً والكوردستاني خصوصاً يساعد كثيراً في إشراك مختلف الشرائح في عملية صناعة الوعي المضاد لأنظمة الرعب والشمولية، ففلول الجهاديين الأمراء منهمتحديداً كانوا من خريجي المعتقلات المختلفة للنظم القمعية الاقليمية منها على وجه الخصوص، حيث تم رعايتهم عن كثب وإخراجهم على ماهم عليه كي يكونوا وسائل تهديد وضغط وترويع للسكان المحليين ومن ثم وسائل دعائية مؤثرة لاستجلاب الشباب المراهق من كافة أنحاء العالم ، من أوروبا ، آسيا، أفريقيا، استراليا وأمريكا، إنه إرهاب عالمي منظم يديره المستفيدون من تغيير الخرائط ووضع أخرى تتناسب ومطامحهم،     ومصالحهم البعيدة، حيث استطاعت أوروبا ألمانيامثالاً، من جلب ذوي الكفاءات والطاقات، ووضع برامج اندماجية لهم تستطيع من خلال هجرتهم ومكوثهم أن يتحولوا لأيدي عاملة تسد العوز والاحتياج للدولة، وهذا الأمر مرتبط تماماً بضرورة إشعال الحروب في مناطق كسوريا ، العراق، ليبيا  واليمن، وغيرها من البلدان الفقيرة المضطربة،  وأيضاً تضمن دوام تصديرها لأسلحتها ، إن كل هذه القضايا ، بيع السلاح، اللاجئين ، الإرهاب العابر للحدود والقارات، مرتبطة بحاجة الدول المهيمنة اقتصادياً للإستفادة  من نكبات الشرائح الفقيرة المعانية من ضغط أنظمتها القمعية ووجود جماعات تكفيرية تطال سلامتها على الدوام مما تدفعها للهجرة لأجل مستقبل أفضل للأجيال ، إنها سياسة تصدير الأزمات وضمان بقاءها يكفل بقاء قوتها وسوق سلاحها لفترات وعقود أطول، تلك الرأسمالية الوحشية تدير الإسلام السياسي وتبقي على إيران وتركيا كبعبعين في الشرق الأوسط ، وكذلك تحرص على إبقاء اللون الكلاسيكي الإشتراكي بصورته الهزيلة الطوباوية والتي نخرتها رادءة الحراك والتوجه، وطغيان الفساد والاقصاء،  في مؤسساته لدرجة التحلل والتفسخ فما يفعله المال السياسي المتحالف مع الاقتصادي لن تستطيع فعله الايديولوجيات القائمة على الدعاية التحريضية والطقوس الشمولية ، حيث الصراع اليوم يتمثل في تهديد اقتصاد الدولة. وشكلها إيذاناً بسقوطها غير البعيد بطبيعة الحال
الموت والحياة يتبادلان الأدوار علناً في مجتمع الحرب، حيث تكون الحواس متأهبة باستمرار كأنها تنتظر مفاجأة ما، وتنعقد الألسن حين يقع المحظور، تصبح الحياة أكثر تجسيداً حين يقاربها شبح الفناء،
لقد استطاعت العقيدة الجهادية المتبنية للنص الحرفي أن تحرك الدماغ القاصر  للعنف بيسر، فقتل كل ما يمكن مصادفته هنا يعتبر تأكيداً على قوة تأثير الدين بشقه الخطابي على العقول الشابة وكذلك التي تتبنى الإرهاب بوصفه مبدأ إسلامياً، كما تجسد ذلك في سورة الأنفال : “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهمفهذه الآية لما لها من سطوة تأثيرية على العقل الباطن للمتدين إذ تحرض فيه غريزة العنف والقيام  به كوسيلة للتقرب إلى الله،  حيث إنهاء وجود ما يعتبرون كفرة أو ملحدين هو غاية الجهادية التي اعتبرت نفسها الحارس الضامن لصيرورة الدين وانتعاشه، والجهاديون وفق ذلك يعتبرون أنفسهم حراساً ووكلاء لله على الأرض، إنهم يتغذون من كتب السير والقرآن والسنة وأيام الغزوات المحمدية ، أي أن علاقتهم مع التاريخ ، علاقة قوية توأمية، لا انفصال عنها، فتوظيف ذلك التأثير البلاغي يتسم باحترافيته وتفوقه في ميدان غسل الأدمغة وتحريك الفرد نحو العنف باستخدام الترهيب والترغيب، الوعد والوعيد، ففي كل عمل يقوم به الفرد المتدين يعده شكلاً من أشكال العبادة، فالمال والجنس محركين قويين لهما جل التأثير على الفرد الجهادي، إلى جانب الدعاية الممنهجة والأناشيد الدينية القادرة على تخصيب خيال الجهاديين بوعد الجنة والثواب، إلى جانب إباحة النساء واعتبارهن متاع، ووسيلة للترفيه وقضاء الحاجة الجنسية، حيث بإمكانه أن يتمتع قدر ما يشاء جنسياً بواسطة السبايا واللاتي يهبن أنفسهن له جهاد النكاحفاهتمام تنظيم القاعدة وداعش بالترفيه عن المجاهدين مثل وسيلة استقطاب مهمة للشباب وتسخيرهم عبر محاكاة غرائزهم الجنسية والعنفية على حد سواء، في ذلك إلغاء لدور العقل والمنطق والتدبر الفكري، على حساب إذكاء شرارة الغرائز الحسية وتمجيد نزعة الكراهية والانتقام، لكل الانتماءات غير الجهادية بوصفهم أعداء لله والنبي، حيث تغذية الشباب بذلك يكفل لها الوصول للمزيد من الأراضي وتوسيع رقعة هيمنتها، لقد تم الاستفادة من النص المقدس والتقيد به حرفياً ، وتمثيل الماضي الوحشي على الأرض عبر العودة للماضي ونكران الحاضر، بوجود إمكانات لوجستية وتقنية إلى جانب جهاديين من جنسيات مختلفة ، يتمتعون بخبرات متعددة ، جندوا انفسهم لخدمة العقيدة التي جاؤوا من أجلها، من خلال فكرة إعادة الخلافة الإسلامية والتمدد الجغرافي، لقد عبروا بلدانهم عن طريق تركيا ودخلوا الشمال السوري، ووجهتهم غربي كوردستان وجنوبها، أي أن قوى اقليمية وأخصها تركيا زودتهم بكل المعدات ، وسهلت لهم العبور عبر أراضيها دون أية عوائق تذكر، ليلعبوا دور القرابين في حرب مفتوحة والغرض من ذلك  إثارة الاضطراب وعدم الاستقرار وتشجيع الناس على ترك مدنهم وقراهم والمضي للخارج عبر هجرات تمت عن طريق تركيا، فهي من جهة تمضي في دعم تنظيم الدولة الإسلامية ومن جهة أخرى تفتح ممراتها البرية والبحرية عبر بلغاريا واليونان، لتسهل الطريق للهاربين

. بالتوجه صوب أوروبا رغم كل المخاطر ورحلات الموت التي تنتظرهم
القبور في كوباني تتسع، تبتلع أشلاء الشهداء وتقول هل من مزيد،  كل شيء يشير إلى الفناء في أروقة هذه الرواية التي تتلوى من العذاب وحرقة القلب والرغبة بالانعتاق من قيود الحاكمية والمظلومية التاريخية،  حيث لا شيء يفقد البوصلة في عيون الكوردستانيين المتطلعين إلى كوردستان، الحقيقة التي لا يمكن للنظريات الطوباوية أن تلتف عليها وتنقص من قدرها ، فالحرب التي يدفع أبناء وبنات غربي كوردستان والأجزاء الأخرى، ثمنها من الدماء والأبنية والقلق ، قرباناً لأجل كوردستان الحلم ، مهما حالات الإيديولوجيات التنويمية من رؤيته واضحاً ، إلا أن الحقيقة  القومية ظاهرة تحديثية عصرية وضمان لاستمرار التنوع الإنساني اللغوي، وهذا ما تسعى الرواية لإبرازه بشكلها الواضح،  إن قدر شعب كوردستان أن يحمل صخرة سيزيف ليجرها للأعلى فتقع ثم يحاول الشعب الاستمرار فيدفع بالقرابين البشرية كرمى لكوردستان،  وهكذا  نجد المسعى التاريخي يتجاوز تعنت الأحزاب الشمولية وارتهانها لأجندات أعداء كوردستان ، كون الوقود الجماهيري ينزع أبداً للحلم القومي الذي لا يتزعزع في الذاكرة الجمعية، لقد سلط الأعداء الاقليميون تنظيم الدولة الإسلامية على الكورد في جنوب وغربي كوردستان، وكذلك ضد أبناء الطائفة الإيزيدية والهدف من ذلك طمس جذور الحضارة وإبادة العرق الكوردي وكذلك النيل من الأقليات التي تعيش في كوردستان، ، ذلك مثّل تحدياً جسيماً ، وولد الهم والطاقات لمعركة مصيرية عالمية ، حيث بدأ العالم يحتفل بيوم كوباني، فالمقارعات الحامية في رقعة حدودية شكلت تحدياً أمام قوى الإرهاب والتكفير والتي  خرجت عن عباءتها المغبرة، وباتت القوى الشعبية اليوم رقماً يصعب تجاوزه أو القفز فوقه في معادلة الصراع السوري، فالواقع الراهن تم صنعه بتضحيات جسام ، ومعارك كبيرة، أحرقت ودمرت ، حيث تحررت الإرادات عبرها من قيود التبعية والخوف، وتنفست الجماهير الصعداء لتبصر غداً بهياً مفعماً بالسلام والسير نحو

. مجتمع جديد ،يعي أدواره في بناء الديمقراطية وتغيير الحياة
يتجلى الموت هنا بوصفه معادلاً لطلب الحرية والرفاهية،  وكذلك يتعلق بالتشبث بالأرض وقيم المجتمعات فحقاً لا يرغب أحد بالموت، لكنه يصبح حلاً اضطرارياً لرؤية واقع أفضل،  في ظل صراع ساخن وعنيد بين أنصار الحداثة وأنصار النزعة التاريخية، حيث يواجه الإرهاب المقدس بإرهاب مضاد ، الفارق بين الإرهابين ، أن الأول وحشي يقوم على نزع الحياة، والآخر ضروري يقوم بطلب الحياة والدفاع عنها،   لاشك فيه فإن الكثير من الأرواح الشابة الحالمة ستتساقط كما اوراق الشجر الصفراء في الخريفـ، وأن قلوب الأمهات ستنفطر ، على فلذات أكبادها،  إلا أن الموت هنا يتم الاحتفاء به كرمز لكرامة المجتمع المناهض لإرث الإرهاب التاريخي الراسخ في جذور الدين ومراميزه السياسية المتعلقة بالتوسع وتدمير إرث وحضارات المنطقة الخصيبة،  نعم يرمز الموت الجهادي إلى دمار الحياة وتدمير روح الانتماءات وتقويضها، وإعادة الزمن رأساً على عقب، لتصبح الحياة جامدة لا روح فيها ولا إبداع، قتل الناس على الهوية ، وتدمير بيوتهم، سبي نساءهم ، ولأجل تلك الممارسات يهب الشباب القاصر كالقطعان لاهثاً دون وعي طالباً للموت في سبيل جنة وهمية عرضها الأكاذيب والهراء،   فداعش كانت وكيلاً عن تركيا في حربها ضد الكوردستانيين، حيث كانت داعش مطية في قتال الكورد،وتفتيتهم ، حيث يجري اختلاف البيت الكوردي على أي حدث، عبر وضح اللائمة على بعضهم البعض، والتنصل الخبيث من المسؤولية حيال الشعب، حالة التفتت السياسية، سبب المحن المتلاحقة، فليس ما جرى إلا سبباً غير مباسر عن الانقسام السياسي ووجود شروخ مجتمعية، وتجهيل مؤدلج يتجلى في تأليه الزعامات الروحية،بدلاً من رسوخ فكر قومي صحيح وجوهري واضح،  لايتم اختزاله بأشخاص ورموز،
هذا النزاع الدموي ضخم من الجهل والتجهيل، وأثبت للعالم أنه ليومنا هذا يمكن قيادة حروب كبيرة باسم الرب، إذ لا زال ذلك صالحاً ومطلوباً بشدة، حيث مئات الأقنية الدينية والمؤسسات والجماعات السرية منها والعلنية، وذلك الإعلام الذي يضخ سمومه في العقول، وذلك الخطاب الإسلامي الذي لم يتغير والذي لم تعترف مرجعيته بأن داعش لا تمثل الإسلام، ذلك يعني استمرار الضحايا وتأصل العنف كثقافة مقدسة داخل المجتمعات الشرق أوسطية وكذلك التي تعيش في المناطق

. الفقيرة والمنكوبة ، المهددة بالحروب والنزاعات المستمرة،
يروي الكاتب على ألسنة الضحايا كل أمنية ماتت معهم، وحسرة توارت بتواريهم عن أحبتهم، أراد أن يحقق في قدرة العصابات الوحشية على إخماد جذوة الحياة في أرواح العزّل،  كل شخصية تتحدث عن المكان والزمان الذي توارت فيه عن الدنيا واستسلمت لسبات عميق، كل صوت كان يملئ المكان بالدفء والحركة في الأرجاء خيم عليه بغتة  سكون مطبق،  فالمقابر تدوي من حكايا الذين فتحوا أذرعهم للأمل، ثم استقبلهم الموت في حجره الباردة، فالموت مرموز الانطفاء، وعكس فعالية الحركة، يجيد اقتناص الحالمين والتائقين لحياة أقل معاناة، وقد امتهن صناع الموت القتل متسلحين بالعقيدة الدينية ، وقد أحسن أسلافهم في ربط العنف بالثواب الإلهي، بتلقينهم عبر النص الذي خولهم ليصبحوا حراساً للدين ووكلاء لله على الأرض،  الكاتب هنا ينشغل في الأحلام المزهقة والطفولة البائسة، ليستجمع في أذهاننا قصص  الحروب التي كثيراً ما تتحدث عن ضحايا لم يحملوا السلاح وقضوا نحبهم بيسر، نلحظ كيف تصبح العقائد سيفاً مسلطاً بيد معتنقيها، كيف تحررهم من إنسانيتهم وشفقتهم وتجعلهم مهووسين بالدماء، وكيف يعاد التاريخ الوحشي على تعدد سيناريوهاته، وتصبح المسرحية الممارسة جسيمة في أدء ممثليها الحقيقيين على الأرض، كيف يتحول الدين إلى سيناريو يمثل بحرفية على خشبة الواقع، عبر ممثلين وضحايا وأخرى قتلة، هنا أخفق الفن مقابل الحدث المعاش، وأخفقت الرواية أمام من عاشوا الألم، ويخفق الكتّاب حيال نقل مأساة الآخرين إلا من خبر ذلك الواقع وعاش بتفاصيله واكتملت فيه مقومات المأساة والتمثيل الإبداعي لها على حد سواء، بهذا الكم من الحقد تم الاستيلاء على أدمغة الفرد المتطرف، وإخراجه عن الحالة الإنسانية التي تقشعر بطبيعتها من رؤية الدم والأشباء، تم تجريدها من كل ما يمت بتأنيب الضمير ، ولعل خطاب الكراهية تم توظيفه عبر التاريخ لإخراج البشر من إنسانيتهم والتشبث الأعمى بالعقيدة واعتبارها فوق كل شيء، لهذا فالضحايا يزدادون بالتزامن مع ضخ الإعلام لهذا النوع من التخاطب، عبر بثها للسموم وخاصة بتعدد وسائل التواصل الاجتماعي، فإن توظيف الدين في القتل بات تجارة رائجة تدر الربح ويصبح تنفيذ الأجندات أكثر يسراً عبر تمويل
الجماعات الدينية وتوجيهها  من خلال أمراءها وقدرتهم الخطابية في استقطاب الشريحة الشابة بكافة الوسائل المتاحة
يعمل التأثير البلاغي الكامن في الخطاب الديني على امتلاك فكر الفرد المراهق وحتماً يعتبر من أقدم الآليات المؤثرة على العقول والأذهان عبر التاريخ ، وقد حذت كل الإيديولوجيات الشمولية حذوها في تمجيد ذاتها وتوجيه مريديها لكراهية الجهة المضادة لها، وأعطتهم مسوغات للقتل وإرهاب المختلفين معهم، فقد مات الكثيرون باسم الأديان كما مات الكثير باسم الصراع الطبقي ، من هنا نجد أن التحضر مجرد زي، بينما لا يزال المتحكمون بالعقول والموارد، يعمدون إلى زج الناس في عداوات  وخصومات لا تنتهي ، فعمدت يد الإيديولوجيا للبطش والتنكيل دون وازع، يمكن التنبه بأن صناعة الإرهاب الديني قائم على مبدأ الكراهية المقدسة، فهي إن تملكت إنساناً متديناً واستحوذت على ذهنه فإنه مستعد في أي فرصة سانحة في الانقضاض على من يكرههم،  وذلك ينفي وجود التحضر الحقيقي ، وإنما يخفي وراء العبارات الجميلة قلة الحب وكثرة الكلام المعسول ، كما يجعل الإزوداجية مرضاً سريع الانتشار، حيث يقول الشاعر البريطاني جورج غوردون بايرون  18: “ أن الكراهية هو الإحساس الأطول أمداً على الإطلاق ، الناس يقعون في الحب في لحظة خاطفة ولكنهم يكرهون بتمهل وعلى روية ما نتحلق حوله هنا هو تنقيب عن مراحل الكراهية وتثبتها في اللاوعي، ومن ثم قيام الإعلام الموجه بتحفيز الناس على الكراهية واعتبار ذلك حرية تعبير، إن كل إرهاب ممارس يتم عبر إذكاء شعور المظلومية  داخل الذهن وتحويل ذلك مع الوقت إلى دعوة للانتقام وتوجيه الضربات العنيفة، للجهة المستهدفة، لهذا فتثبيت الفكرة ورسوخها داخل الفرد المعتنق يسهم في إطلاق يده وتفريغ شحنته الملغومة تلك، وما أكثر الجماعات المستخدمة في القتل والتدمير ، كون هنالك دوماً أرضية خصبة لنموها وتوليدها، بخاصة وجود الأقنية الإعلامية وطريقة الشحن التعصبي ، حيث اعتمدت الحروب الأهلية على التجييش الإعلامي سوريانموذجاً وتم إعادة الصراع السني الشيعي عبر الاخوان المسلمين والطائفة العلوية الحاكمة ، وتم تطوير ذلك الصراع اقليمياً من بوابة الإسلام السياسي الذي تقوده كل من تركيا وإيران في المنطقة ، حيث راحت الدول تتسابق في إنتاج جماعات مسلحة وتخصيبها بخطاب الكراهية وضخ المال والتمويل الجيد للمجندين ، وتم استخدام هذه الجماعات ضد دول ومصالحها، وتم توجيه داعش بأوامر تركية ضد الكورد وضرب تجربتهم الفتية في غربي كوردستان، من ثم جندت المعارضة السورية المسلحة ضد الكورد بعد أن تمت هزيمة داعش عسكرياً، إذن يمكننا القول أن التطرف يعتمد على التجييش الإعلامي والتمويل الجيد
إن دولاً لم تكن لتقام لولا خطاب الكراهية المؤسسة لها، تركيا مثالاً ، اعتمدت العنصرية لأبعد حدود لتأسيس دعائم قوتها، عبر كراهية العنصر التركي لكل ما هو غير تركي نقي ، وقتل الإنسان الكوردي لانتماءه القومي، إلا حين ينكر كرديته ويعتبر نفسه تركياً ، حينئذ يحق له العيش كتركي غير نقي، وعبر ربط العروبة بالإسلام أقيمت دول عربية تحولت قوميتها المتعصبة كسيف مسلط على رقاب الأقليات والقوميات غير العربية، وفي أوروبا لا تزال هنالك كراهية مبطنة لليهود ، فمعاداة السامية واقع معاش، حيث لا يجرؤ اليهودي على الإعلان عن يهوديته خشية وقلقاً على نفسه من القتل أو الاعتداء، إننا في عالم مبني على الكراهية واعتبار ذلك شيئاً طبيعياً، حيث أن منابع الإرهاب تحظى برعاية الكثير من الدول في الخفاء ولاسيما تلك التي تزعم أنها تكافحه، إن الإرهاب الإسلامي انتشر كوسيلة لإزالة الدولة وتفتيتها وكذلك توجيه المجتمعات لقبوله والتعايش معه، الهدف من ذلك الإرهاب العابر للحدود هو التذكير بالتاريخ الوحشي الذي لم يتسنى للكثير الإطلاع عليه، وكان الغرض منه تمكين الإسلام والعرق العربي، على حساب انتماءات القوميات، الذين هم سكان أصليون لتلك المنطقة الشاسعة المعروفة راهناً بالعالم العربي، حيث اعتبر فيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري19 الديانات

: مكراً وخداعاً استخدمه  السلطويون لغايات تتعلق بمنافعهم وتحكمهم بالعقول بغية تدجينها حين قال
أفيقوا أفيقوا ياغواة فإنما  ******* دياناتكم مكرٌ من القدماءِ
حين نلحظ اقتران كل كراهية بما يسوغها من أمثلة التاريخ والوقائع الدموية ومن بوابة ذلك الماضي المسيس انطلق الخطاب الطائفي في مقت الطائفة المقابلة، حيث لا تزال رواسبها في العالم المتحضر قبل العالم النامي ،  فما تمدد اليمين المتطرف ومعاداة السامية، إلا حاضنة أولية لكل نزاع قد يطرق الأبواب مع تقادم الوقت، حيث يمكن تشبيه الكراهية بالطبخة التي تستوي على نار هادئة،  إلى جانب أن الظروف تخلق الأفكار والآراء وتتحكم بها، تلك الظروف محكومة بالجغرافيا، بخاصة وأن المناطق المستعرة تؤثر على الحدود الموضوعة ، فالواقع المتغير كشف أنماطاً من القتل و ممارسة الوحشية على الكاميرات، جميع المتعطشين لرؤية حياة أفضل في زحمة هذا الواقع المتغير، يلتحقون إلى الجبهات للقتال وصد هجمات الجهاديين، في قناعتهم حب الأرض وضرورة حمايتها استناداً لعقيدة الإيمان بكوردستان ونيل الشهادة لأجلها كوسام، فالدم لا نهاية له، والحرب تجلب معها انضمام العديد وشعورهم بالارتباط بالجماعة والأرض، إزاء هجمات لا تعرف إلا العنف والاستيلاء على الأراضي ونشر الرعب، حيث استفاد عرّابوا الجهادية كثيراً من القرآن ونصوصه المحرضة على القتل ونشر العقيدة الدينية، فالقتال يعتبر فريضة حسب النص القرآني وقد انتشر التأويل وتضاربت الآراء بغية أن يتناسب النص مع جميع الذين يستخدمونه تبعاً لسياساتهم فيهرع المؤولون في تطويع التأويل خدمة لمآربهم وصراعاتهم السلطوية وذلك بحد ذاته استفادة لجملة النصوص التي فتحت الطريق لقوننة الجرائم واعتبارها وسيلة للتقرب من الله والجنة الإلهية، حيث للأديان علاقة كبيرة بالعنف نظراً  لارتباطها بالسياسة والحكم، فالتحكم بالمجتمعات يتطلب العنف، وفي القانون عنف القوة، حيث النخب المقتدرة تفرضه قسراً وتلزم الأفراد به، عبر المؤسسات الدينية والجماعات الجهادية تتغذى على التاريخ في تحويل المجتمع إلى نواة لسلطات مستبدة، حيث تفشل أي سلطة ما أن تضع الدين على الحياة ، فلا الجماهير بإمكانها أن تتبع طويلاً أي نظام غير مؤسس على الدين أو احترامه، أو على الأقل لا يعتبر الدين خبزاً وشراباً له ، أي ما يتعلق بجانب التشريعات،  حيث لم تنجح النظم العلمانية في الشرق الأوسط ، ولم تستطع بتر الروح الطائفية لديها، ففي الواقع كانت تتستر بعباءة العلمانية والنظام الجمهوري ، وهي في الواقع متمترسة بمفاهيم الفرقة والشقاق الديني، وكذلك تعتمد  التوريث في نظرتها لنظام الحكم، فهي أقرب للملكية منها إلى النظام الجمهوري والقانون المدني، فالمنظرين الشرق أوسطيين على قلتهم لم يوضحوا نظرتهم إلى الإسلام السياسي، بل اعتبروا الدين حالة روحانية ، عمدوا إلى توصيفها بما يتناسب وحاجتهم المرحلية، حيث لم نتمكن من إيجاد مفكرين ذوي جرأة عالية ، قادرين على أن يظهروا بحنكة وشجاعة على طراز نيتشه 20، رينيه ديكارت21، هيدغر22 وجان بول سارتر23، السبب هو أن الخطاب الإسلامي والإيديولوجية الشمولية اشتراكية الطابع وفقوا بالضد من أي نبوغ معرفي أو ثورة معرفية حيث تتجلى الأرض بملامح المرأة ، والمرأة هنا عاشقة تدافع عن قيم المجتمع وروحه من تلك الهجمة البدائية الناشبة أظفارها ، هذا التصادم القهري  لا يهدأ ويفتح مسارباً للتساؤل ،وكذلك يستولي على المخيلة والإدراك وهنا وجب على المتلقي أن يسبر ما بذاته من خلال مواطن الإحساس ، فالسرد الجمالي يبدي وظيفة عليا في الارتقاء بمستويات إحساس الإنسان بالذاتية والجمال في ظل عالم وحشي جائر مؤلف من رأسمالية وحشية هدفها جمع المال وبيع السلاح وتوريد الإرهابينن والتخلص منهم عبر زجهم بمعارك تحصد من أرواح الآلاف من المدنيين العزل، تحالف قذر بين الجشع الربحي والتطرف الديني،  حيث يقع على عاتق الكوردستانيين محاربة داعش التي تم توجييها بمهارة وإدراك نحو المناطق الكوردية في كل من جنوب وغربي كوردستان، لتكون المنطقة المحتقنة مركزاً للحروب والنزاعات والصدامات ، وهكذا تتدفق عبر ذلك موجات النزوح، وتتغير الخرائط لتصبح بين ليلة وضحاها، جديدة تحل محل ماكان سائداً ، ولعل الذي يقود الإنسان الجهادي هنا هو سلسلة من أفكار دينية وهمية و إغراءات حسية تستولي عليه  ولا يملك سبيلاً في إعادة تمحيصها  بسبب تأثير الدعاية الدينية وحيث أنها تتسم بقوة الخطاب البلاغي وتاريخية التأثير العميق على أدمغة الشباب وعواطفهم وهم في مرحلة الفتوة الأولى،  فالحرب الثقيلة وسيطرتها على العقول مفعمة بالصخب والصدمات، والحب يمثل عقاراً مضاداً ويمنع الخوف من الدخول لأعماق الفرد، هنا يدين الكاتب طبيعة المجتمع المتسلح بقيم الحق والخير والجمال ، ويجد في ممارسة العشق ضرورة قصوى في مواجهة التحديات العصيبة ، إنه صراع بين عالمين مختلفين، وطبيعتين مغايرتين، إحداها معلقة في الغيب وتعتقد أن القتل وتقديم الذبائح البشرية وسيلة مثلى للتقرب إلى الله، وأخرى  ترى أن لا إله كامن في الدم والوحشية، وإنما هنالك وطن يجدر حمايته و الإيمان به يعتبر أثمن قيمة، وبصدد الموت يتحدث فرويد 24 في كتابة الحب والحضارة والموت ص27 قائلاً : “ الموت شيء طبيعي  ، الموت هو موتنا نحن ومع ذلك لا نفكر فيه إلا بوصفه موت الآخرين، المهم أن تستمر في الإبحار ، الحرب تواجه الإنسان بالموت وتجبره على الاعتراف به، الموت كدافع للتفكير ، الموت عند البدائي فكرة الروح والخلود والشعور بالذنب، لا

شعورنا البدائي تفضحه الحروب
يعزو فرويد سبب نشوء الحرب إلى حالة اللاشعور البدائي الذي يعترض الإنسان  عقلاً وعاطفة، فالوحشية الكامنة لدى الفرد هي سبب وجيه للتدمير ، وهذا ما نشهده في العقلية الجهادية فقد أطلقت العنان لشهوات أفرادها بالظهور ليستمروا في القتال، حيث وظف الإسلام السياسي الجنس وعشق الموت لأجل الجنس كوسيلة إغراء إلى جانب المال، وتوفير اللذة

. عبر جهاد النكاح، والجنة الإلهية الموعودة ذلك كفيل باستمرار الدعوة والتوسع في الهيمنة على المزيد من الأراضي

الموت يخيم على النفس في لحظة مجيئه القصوى ، كيف يفقد الإنسان توازنه العقلاني في أشد لحظات حياته حميمية أو شجناً، خاصة فيما يتعلق بموت شخص عزيز وقريب أو سماعه لخبر صادم قد يغير من مجرى حياته كاملة، فقوة العاطفة وتدفعها تمنع العقل من أن يفكر بطلاقة، حيث الإنسان حيال الصدمة مفعم بالذهول والانشداه والتلعثم ، هذا الاضطراب الداخلي يدفعه لسلوكيات غير منطقية، كأن ينزع للصراخ أو الحبور والالتزام بالوقوف ساكناً دون إبداء تصرف منطقي حيال الموقف، فتعمل الآداب والفنون إلى جانب الحراك السياسي والعسكري، لمقاومة مخاصر الإبادة العرقية التي يتعرض لها الكورد في غربي كوردستان وجنوبها، وكذلك فإن عمل داعش هنا هو تنفيد أجندات تركيا في تصفية ثورة غربي كوردستان للحيلولة من أن تكون ذات يوم حرة على غرار تجربة اقليم كوردستان الجنوب (العراقفتعمد إلى فرض واقع الانقسام الكوردستاني ناك عبر تحييد طرف كوردستاني ، قد يعطي لتصرفاتها الشرعية وهكذا ظل الحراك السياسي مخصياً ، ضعيفاً ومخيباً لآمال الكوردستانيين جمعاء، الأمر الذي سبب المآسي للشعب ، حيث تمت السيطرة الكاملة على عفرين ومن تل  أبيض (كري سبيو رأس العين (سري كانيه) وواقع ذلك التمدد مستمر ويجعل المنطقة في حالة اضطراب دائمة، وقد أصبح الوحدة الكوردستانية ضرباً من المحال في ظل ارتهان الحركة الكوردستانية على طرفي نقيضها لأجندات كل من تركيا وإيران، حيث تعاد للأذهان ذلك الارتهان الكوردستاني قديماً لكل من الامبراطورتين المتصارعتين العثمانية والصفوية، هنا أعاد التاريخ نفسه بصورة مؤلمة يدفع فيها الشعب الثمن من دماء أبناءه، ليغدو ضحية الايديولوجية الحزبية وخطابها الخاص المنغلق على أدبياته ورؤيته التصوفية البعيدة عن التوجه القومي الديمقراطي هكذا يصبح لكل حزب شهداءه ورموزه ومآثره ، التي لا يقر ويعترف بها الحزب الآخر المناهض،  وينقسم الأدباء بين الطائفتين في ولاءاتهم وتفسد السلطة الحزبية الأدب والفن وتتقاسم الجماهير، ليترسخ ذلك الانقسام الشللي سياسياً ، عسكرياً ، أدبياً وفنياً، هذا سبب الاغتراب الجماهيري وغيب من وجود الخطاب القومي والاستراتيجية الوطنية الجامعة للكوردستانيين على اختلاف انتماءاتهم، بسبب التبعية لأجندات الدول المحتلة  لكوردستان، وهي تحول من نشوء الوحدة السياسية، الأمر الذي يجعل المكتسبات الوطنية المتحققة بفضل دماء الشهداء وإرادة المقاتلين، في خطر دائم من الزوال، مثال ذلك ما حصل  في سقوط كركوك بيد الحشد الشعبي 25  إبان الاستفتاء، نتيجة خيانة طرف كوردستاني موالٍ لإيران،وسقوط شنكال بيد داعش نتيجة انسحاب البيشمركة دون قتال منها، وسقوط عفرين نتيجة القراءة السياسية الخاطئة لواقعها والانقسام الكوردستاني الحاصل نتيجة التعنت الإيديولوجي، وهكذا فإن الأدب يقوم على خلاف كل هذه الأمور بإنشاء وردم الهوة الروحية بين الجماهير عبر التأكيد على الوجدان الوطني وكذلك إيلاء الدم المراق لأجل الأرض حيزاً كبيراً للإبقاء على الروابط الوحدوية بين المجتمع الكوردستاني فما نجح فيه الفن والأدب في لملمة التاريخ الكوردي ووحدة الجماهير روحياً عجزت عن تحقيقه السياسة الكوردستانية طيلة عقود، فالأدب الحر الخال من التبعية لطرف سياسي معين، قادر على حفظ

. التاريخ الوطني وأرشفته، لعل الأوهام الجمعية متأتية من حقيقة مبعثها ضعف الكائن الإنساني وحاجته الماسة لعزاء نفسي، حيث يرى سيغموند فرويد ص 51الحب والحرب والحضارة والموت : “ وليست الديانات الإنسانية  إلا من قبيل الأوهام الجماعية ، ولا حاجة بنا إلى القول بأن من

يشارك في الاعتقاد في الأوهام لا يمكن أن يعترف بأنها أوهام

فهذه الحرب تحتاج تسلحاً بكل شيء بالدين والايديولوجية الحزبية أو الإيمان بالأرض وضرورة الدفاع عنها، وكذلك  فالوقوع في الحب هو شكل من أشكال نكران الألم المعاش، وهو ضرورة وطنية تسهم في التشبث بمكامن الجمال والحق والخير ، حيث خطاب الكراهية الأعمى للكورد، يعتبر وقوداً لهذه الحرب وبتواطئ تركي واضح، فالأردوغانية جندت داعش وأعطتها كل الإمكانيات لتتمدد وتتوسع ويكون عملها لصالح مشروع الإخوان المسلمين العالمي في الوصول للسلطات في العالم العربي وإحداث انقلابات دموية فيها، ولا سيما وأن وراء داعش أقنية تروج لقوتها وبطشها على نحو غير مباشر وبخاصة قناة الجزيرة القطرية حيث كانت تهول من قوة الجماعات الجهادية وتسميها بمسماها تنظيم الدولة الإسلاميةبخلاف الأقنية الأخرى التي نعتت التنظيم بمسماها الاختزالي المعروف بداعش، وانبرى المزيفون من المثقفين الاسلاميين ليبرروا على نحو شامت ويقوموا بترويج أخبار مفادها سقوط المدينة وتوسع داعش، إذن يقف وراء داعش تمويل إعلامي جلي وعسكري هائل،  حيث يتم الإقرار بالإرهاب الدولي واعتباره مشروعاً دائماً ، أما عن الحرب ضد داعش ومقاومتها فشيء آخر، إنها ازدواجية متجلية يتم ممارستها كون الدول تمارس الإرهاب وترى أن من حقها أن تحمي أمنها القومي وتتحرك تبعاً لمصالحها لا قيمها، فكل التدخلات الخارجية في شؤون الدول ليست استجابة لحاجات أخلاقية بقدر ما هي مصالح تدفعها للتدخل ، لقد سلط العالم الضوء على كوباني وتناسى احتراق مدن أخرى كنصيبين وتدميرها من قبل الطورانية التركية، نشهد ذلك الزيف في تلك الإنسانية البارزة على شاشات التلفزة والصحف والوكات العالمية،، وقد عبرت الرواية هنا عن روح الشعب وإمكاناته المسخرة في مواجهة الإرهاب وطبيعة الحروب الراهنة كسرت طوق الحدود بين الأقاليم والدول، وتشعبت المصالح  واتسعت رقع الأزمات، وتفشت ، وبدت علاماتها واضحة بانهيار عملات الدول التي تتم معاقبتها اقتصادياً من قبل أمريكا، فالفاشية الدينية سوقت للأردوغانية كحالة استيطانية توسعية، وباتت وسيلة تفتيت للدول وضياعها وقد تم تحديث الحرب الدينية بما يتناسب وجملة القضايا الشائكة في الشرق الأوسط لتكون وسيلة تدفع بالكثير من الدول  في إعادة حساباتها وطريقة تفكيرها ، حيث شكل قدوم الأجانب إلى أوروبا كلاجئين ، تسعيراً لبروز خطاب الكراهية الذي حمله القوميون الجدد في أوروبا، والذين تجاوزوا عتبة 15 بالمئة من نسبة الجماهير المؤيدة والنسبة مرشحة للنمو المفاجئ إذ بقي الخطر الديني فعالاً ،
المجازر المرتكبة تكشف حالة الجشع للحصول على أكبر قدر ممكن من الأراضي واستيطانها بعد إبادة سكانها الأصليين، وتتم عبر تعبئة الأفراد ، مرتكبي المجازر بخطاب الكراهية والمسوغات الكافية لارتكاب القتل الوحشي، حيث انكفاء المجرمين حول بعضهم البعض وتحلقهم حول عقيدة عنفية معادية لنمط الحياة المعينة تسهم في تحويل السلوك الإجرامي إلى فعل متعمد وواجب  القيام به، لقد تم تعبئة عناصر داعش عقائدياً لينفذوا الإجرام باحترافية وتم تلقينهم بأن الجريمة التي يقترفونها هو بمثابة عقاب إلهي للبشر يتم بأيديهم، يستندون في ذلك لآيات قرآنية كما في سورة الأنفال 17 : “ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً إن الله سميع عليم حيث تشير الآية للجهاديين أن الله يقتل بأيديكم، وهذا يدل على التعبئة القرآنية المحفزة للشباب المتطرف في أن يقتل، حيث بقاء هكذا سور مصدر خطر دائم ، حيث تقرأ على أرواح المتوفين، وتترسخ في لاشعور الإنسان المتدين، ويتم تعبئة الجهاديين نفسياً من خلالها واستدراجهم لسلوك الإجرام، كون هكذا نصوص تبيح لهم ذلك، فالعنف المقدس هو عنف قائم ويستند لنصوص مقدسة، فالقتل العمد والعشوائي، سببه جملة النصوص العنفية الواضحة، والملحقة بتأويلات يجرم من خلالها المؤولون الذين يدافعون عنها ويحاولون تبريرها دون وازع منطقي، وصمت مؤسسة الأزهر دليل كافٍ على كونهم يرون الدين عنيفاً يتسم بالرهبة وكراهيته لكل مخالف، ولا تمتلك الجرأة لتفسير الآيات كونها تقر بها على حقيقتها دون محاولة الالتفاف أو التحايل البائسة، حيث لا يمكن القفز على الإرث الجهادي الموجود في القرآن والذي هو مصدر الشرور، حيث خطورة النصوص تكمن في صفة المقدس بخاصة عند الذين يعتقدون أن القرآن صالح لكل زمان ومكان، وإجمالاً فالتعبئة العنفية موجودة في مناهج كافة الأديان والنظريات السياسية الطامحة لتكون سلطة مستتبة، حيث الدين حاجة سلطوية في حدها الأقصى، ومن ثم هي عزاء الفقراء المضطهدين، من ضغط وجور الأغنياء عبر التاريخ، حيث يمكن أن نفرق بين اسلامين: اسلام وحشي وآخر فطري، فالإنسان يدمن الموت حينما تعبر حياته دون رجعة ، يمر الأمس كما سيتحول الغد لأمس راحل وهكذا، إلا أن الإنسان الذي يعيش، يعاني فقد ذويه ومحيطه فإنه يعيش موتهم فيه،  حينما يكون رحيلهم أمامه على هذه الدرجة من الفظاعة والصدمة، حيث يرى هيدغر أن الموت أعلى إمكانية من إمكانات الوجود ، فهو يبعث على الرهبة والصدمة والانطواء، ويسلب من الحي حسه بالحياة وطعمها، حيث تكون خطوات الموت أكثر ثقلاً ووطأة على النفس، حيث يخلد الموتى داخل ذاكرة الأحياء ماداموا على قيد الحياة وتتفاوت رهبة

. الموت على النفس تبعاً لدرجة ومكانة الميت في القلوب

إن أنصار الموت يودون كسب الثواب في قتل البشر ليدخلوا الجنة ويمارسوا الجنس مع 72 حورية ، أما أنصار الحياة

. فيموتون لأجل القضية، فالوطن هو السمو والقيمة النبيلة وأساس الهوية الإنسانية
إثر ذلك الاضطراب الفكري ونمو العنف ، ازدادت الحروب واتسعت شرارتها، انتشرت في شتى الأصقاع، انعدام التكيف مع المحيط ، عزز من التطرف داخل الفرد، وحكم عليه بالعنف والإجرام ، فالبيئات المعنفة من حكوماتها الفاسدة، ربت في أوساطها الفقيرة مشاعر النقمة والتذمر، وأودى ذلك بالنتيجة إلى انتشار بؤر التطرف الديني بازدياد حاجة الناس للعمل، المساواة والتعليم الجيد، ففي ظل حكومات دينية طائفية ، من الطبيعي أن ينمو الغلو نحو العنف وتوجهه الحكومات الاقليمية ، تلك المتصفة بالتعصب القومي المذهبي ولا تستطيع أن تتدخل مباشرة في شؤون الدولة المجاورة فتلجأ إلى حرب الوكالة كي تحقق أجنداتها ، ففشل داعش كتنظيم اعتمدت عليه تركيا في محاربة الكوردستانيين في بلد ديمقراطي فيدرالي، جعلها تدفع بورقة المعارضة الأخوانية السورية، لتنفذ ما فشلت فيه داعش، وكثيراً ما يكون التطرف عبارة عن ردة فعل، فالتطرف القومي هو ردة فعل عن المظالم المرتكبة على شعب ما ، حيث يدفه الأخيرة للتطرف كوسيلة لرد الهيبة والكينونة وغالباً ما تكون ردة الفعل هذه  مضطربة وعنيفة حد الانتقام، فصعود النازية جاء إثر ظلم لقيه الألمان بعد خروجهم من الحرب العالمية الأولى ، وتوقيع معاهدة فراساي 1919  26 والتي كانت بمثابة فرض شروط من قبل الدول المنتصرة على المهزومة ، هذا أذكى شرارة التطرف القومي وكان أن ولدت النازية حينذاك،، ولعل التطرف الديني يمثل شكل التعصب التقليدي وهو الأصل لكل تطرف، كونه الأقدم تاريخياً، حيث يرى عالم الأعصاب دوغلاس فيلدز 28  بأن المشكلة تكمن في أن دوائر العنف العصبية التي تجعلنا ننفجر في الغضب والعنف ، عميقة في الدماغ تحت القشرة الدماغية

“. حيث ينشأ الوعي،
مما يستدلنا هنا بأن العنف مركزه الدماغ وحينما يعتنق المرء فكراً معيناً  يكون شديد الإعجاب به وكارهاً لكل من يخالف تلك الفكرة، وبذلك تصبح الأفكار خليطاً  يتضمن دوافع الدفاع عن العقيدة ضد من يخالفها أو يحاربها ويسعى لإقصاءها

. وكذلك غرائز الاستعداء والتشفي لدرجة الانغلاق،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: